ابن ميثم البحراني
70
شرح نهج البلاغة
النواصي بالأقدام إشارة إلى انتكاس رؤسهم عن مطالعة أنوار الحضرة الإلهيّة ، وإلباسهم سرابيل القطران : استعار لفظ السرابيل للهيئات البدنيّة المتمكَّنة من جواهر نفوسهم ، ووجه المشابهة اشتمالها عليها وتمكَّنها منها كالسربال للبدن ، ونسبتها إلى القطران إشارة إلى شدّة استعدادهم للعذاب ، وذلك أنّ اشتغال النار فيما يمسح بالقطران أشدّ ، ونحوه قوله تعالى « سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ » ( 1 ) وكذلك مقطَّعات النيران : إشارة إلى تلك الهيئات الَّتي تمكَّنت من جواهر نفوسهم ، ونسبتها إلى النار لكونها ملبوس أهلها فهي منها كما قال تعالى « قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ » ( 2 ) ولمّا كان سبب الخروج من النار هو الخروج إلى اللَّه من المعاصي بالتوبة ، والرجوع إلى تدبّر الآيات والعبر النوافع . وكان البدن وحواسّه أبواب الخروج إلى اللَّه فبعد الموت تغلق تلك الأبواب فلا جرم يبقى الكفّار وراء طبق تلك الأبواب في شدائد حرارة ذلك العذاب ، ولهب النار ولجبها وأصواتها الهايلة : استعارة لأوصاف النار المحسوسة المستلزمة للهيبة والخوف حسّا للنار المعقولة الَّتي هي في الحقيقة أشدّ - نعوذ باللَّه منها - وإنّما عدل إلى المحسوس للغفلة عن صفات تلك النار وعدم تصوّر أكثر الخلق لها إلَّا من هذه الأوصاف المحسوسة ، وكونها لا يظعن مقيمها كناية عن التخليد وذلك في حقّ الكفّار ، ولفظ الأسير والفدية استعارة ، وكذلك لفظ الكبول استعارة لقيود الهيئات البدنيّة المتمكَّنة من جواهر نفوس الكفّار فكما لا ينفصم القيد الوثيق من الحديد ولا ينفكّ المكبّل به كذلك النفوس المقيّدة بالهيئات الرديئة البدنيّة عن المشي في بيداء جلال اللَّه وعظمته والتنزّه في جنان حظائر قدسه ومقامات أصفيائه ، ولمّا كان الأجل مفارقة البدن لم يكن لهم بعد موتهم أجل ، إذ لا أبدان بعد الأبدان ولا خلاص من العذاب للزوم الملكات الرديئة لأعناق نفوسهم ، وتمكَّنها منها . فهذا ما عساهم يتأوّلونه أو يعبّرون به عن الأسرار الَّتي يدّعونها تحت هذه العبارات الواضحة الَّتي وردت الشريعة بها . لكنّك قد علمت أنّ العدول إلى هذه التأويلات وأمثالها مبنىّ على امتناع المعاد البدنيّ ، وذلك ممّا
--> ( 1 ) 14 - 51 ( 2 ) 22 - 20 .