ابن ميثم البحراني
71
شرح نهج البلاغة
صرّحت به الشريعة تصريحا لا يجوز العدول عنه ، ونصوصا لا يحتمل التأويل ، وإذا حملنا الكلام على ما وردت به الشريعة فهذا الكلام منه عليه السّلام أفصح ما يوصف به حال القيامة والمعاد . والتعرّض لشرحه يجرى مجرى إيضاح الواضحات . وباللَّه التوفيق . ومنها في ذكر النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم : قَدْ حَقَّرَ الدُّنْيَا وصَغَّرَهَا - وأَهْوَنَ بِهَا وهَوَّنَهَا - وعَلِمَ أَنَّ اللَّهً زَوَاهَا عَنْهُ اخْتِيَاراً - وبَسَطَهَا لِغَيْرِهِ احْتِقَاراً - فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ - وأَمَاتَ ذِكْرَهَا عَنْ نَفْسِهِ - وأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ - لِكَيْلَا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً - أَوْ يَرْجُوَ فِيهَا مَقَاماً - بَلَّغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِراً - ونَصَحَ لأُمَّتِهِ مُنْذِراً - ودَعَا إِلَى الْجَنَّةِ مُبَشِّراً - نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ - ومَحَطُّ الرِّسَالَةِ - ومُخْتَلَفُ الْمَلَائِكَةِ - ومَعَادِنُ الْعِلْمِ ويَنَابِيعُ الْحُكْمِ - نَاصِرُنَا ومُحِبُّنَا يَنْتَظِرُ الرَّحْمَةَ - وعَدُوُّنَا ومُبْغِضُنَا يَنْتَظِرُ السَّطْوَةَ أقول : الرياش : اللباس . والفصل اقتصاص لحال الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم وأوصافه الحميدة ليبنى عليها ممادح نفسه بعد . فتحقيره للدنيا وتصغيرها وتهوينها إشارة إلى ما كان يجذب الخلق به عنها من ذكر مذامّها وتعديد معايبها ، وإهوانه بها إشارة إلى زهده فيها ، وعلمه بإزواء اللَّه إيّاها عنه اختيارا إشارة إلى أنّ زهده فيها كان عن علم منه باختيار اللَّه له ذلك وتسبّب أسبابه وهو وجه مصلحته ليستعدّ نفسه بذلك لكمال النبوّة والقيام بأعباء الخلافة الأرضيّة وبسطها لغيره احتقارا لها ، . وقد عرفت معنى الاختيار من اللَّه لخلقه غير مرّة . فكان إعراضه عنها بقلبه إماتة ذكرها عن