ابن ميثم البحراني
57
شرح نهج البلاغة
تلك النعم بالقياس إلى النعمة الَّتي أعدّها لهم في الآخرة ، وظاهر أنّ نعم الدنيا إذا اعتبرت إلى نعم الآخرة في الدوام والكثرة والشرف كانت بالقياس إليها في غاية الحقارة . وباللَّه التوفيق . منها : مِنْ مَلَائِكَةٍ أَسْكَنْتَهُمْ سَمَاوَاتِكَ - ورَفَعْتَهُمْ عَنْ أَرْضِكَ - هُمْ أَعْلَمُ خَلْقِكَ بِكَ - وأَخْوَفُهُمْ لَكَ وأَقْرَبُهُمْ مِنْكَ - لَمْ يَسْكُنُوا الأَصْلَابَ - ولَمْ يُضَمَّنُوا الأَرْحَامَ - ولَمْ يُخْلَقُوا مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ - ولَمْ يَتَشَعَّبْهُمْ رَيْبُ الْمَنُونِ - وإِنَّهُمْ عَلَى مَكَانِهِمْ مِنْكَ - ومَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَكَ واسْتِجْمَاعِ أَهْوَائِهِمْ فِيكَ - وكَثْرَةِ طَاعَتِهِمْ لَكَ وقِلَّةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ أَمْرِكَ - لَوْ عَايَنُوا كُنْهً مَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِنْكَ - لَحَقَّرُوا أَعْمَالَهُمْ ولَزَرَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ - ولَعَرَفُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ - ولَمْ يُطِيعُوكَ حَقَّ طَاعَتِكَ أقول : المهين : الحقير . والتشعّب : الاقتسام والتفريق . والمنون : الدهر . وريبة : ما يكره من حوادثه . والمكانة : المنزلة . وكنه الشيء : نهاية حقيقته . وزريت عليه : عبث فعله . واعلم أنّ من في صدر هذا الفصل لبيان الجنس ، وذلك أنّه عليه السّلام لمّا شرع في بيان عظمة اللَّه تعالى وجلاله جعل مادّة ذلك التعظيم تعديد مخلوقاته وذكر الأشرف فالأشرف منها فذكر الملائكة السماوية ، وأشار إلى أفضليّتهم بأوصاف : الأوّل : كونهم أعلم خلق اللَّه به وهو ظاهر . إذ ثبت أنّ كلّ مجرّد كان علمه أبعد عن منازعة النفس الأمّارة بالسوء الَّتي هي مبدء الغفلة والسهو والنسيان كان أكمل في معارفه وعلومه ممّن عداه ، ولأنّ الملائكة السماويّة وسائط لغيرهم