ابن ميثم البحراني
58
شرح نهج البلاغة
في وصول العلم وسائر الكمالات إلى الخلق فكانوا كالاستادين لمن عداهم ، وظاهر أنّ الأستاذ أعلى درجة من التلميذ ، وقد عرفت في الخطبة الأولى أنّ المعارف مقولة بحسب التشكيك . الثاني : كونهم أخوف له وذلك لكونهم أعلم بعظمة اللَّه وجلاله وكلّ من كان أعلم بذلك كان أخوف وأشدّ خشية : أمّا الأولى : فلما مرّ ، وأمّا الثانية : فلقوله تعالى « إِنَّما يَخْشَى الله مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ » ( 1 ) فحصر الخشية في العلماء . وبحسب تفاوت العلم بالشدّة والضعف يكون تفاوت الخشية بهما . الثالث : كونهم أقرب منه والمراد لا القرب المكانيّ لتنزّهه تعالى عن المكان بل قرب المنزلة والرتبة منه . وظاهر أنّ من كان أعلم به وأخوف منه كان أقرب منزلة عنده لقوله تعالى « إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقاكُمْ » ( 2 ) . الرابع من سلب النقصانات البشريّة عنهم كونهم لم يسكنوا الأصلاب ، ولم يضمّنوا الأرحام ، ولم يخلقوا من ماء مهين ، ولم يختلف عليهم حوادث الدهر . وظاهر كون هذه الأمور الأربعة نقصانات تلزم الحيوان العنصريّ لاستلزامها التغيّر ومخالطة المحالّ المستقذرة ومعاناة الأسقام والأمراض وسائر الهيئات البدنيّة المانعة عن التوجّه إلى اللَّه فكان سلبها عمّن لا يجوز عليه من كمالاته . وقوله : وإنّهم على مكانتهم [ مكانهم خ ] منك . إلى آخره . لمّا بيّن عظمة الملائكة بالنسبة إلى من عداهم شرع في المقصود وهو بيان عظمة اللَّه تعالى بالنسبة إليهم ، وحقارتهم على عظمتهم بالقياس إلى عظمته وكبريائه : أي أنّهم مع كونهم على هذه الأحوال الَّتي توجب لهم العظمة والإجلال من قرب منزلتهم منك وكمال محبّتهم لك وغرقهم في أنوار كبريائك عن الالتفات إلى غيرك لو عرفوا كنه معرفتك لصغرت في أعينهم أعمالهم ، وعلموا أن لا نسبة لعبادتهم إلى عظمتك وجلال وجهك ، ولمّا كان كمال العبادة ومطابقتها للأمر المطاع بحسب العلم بعظمته ، وكان ذات الحقّ سبحانه أعظم من أن يطَّلع عليه بالكنه ملك مقرّب
--> ( 1 ) 35 - 25 ( 2 ) 49 - 13 .