ابن ميثم البحراني

465

شرح نهج البلاغة

الَّذي أوّله : إنّ أفضل ما يتوسّل به المتوسّلون إلى اللَّه سبحانه الإيمان به وبرسوله . الثانية ممّا أمر بالمحافظة عليه : الزكاة وهى قرينة الصلاة في الذكر في الكتاب العزيز وفي الفضيلة فلذلك قال : جعلت مع الصلاة . ثمّ أشار إلى سرّها وهو كونها قربانا لأهل الإسلام ، وسنبيّن ذلك ، وأشار بقوله : فمن أعطاها إلى قوله : طويل الندم إلى شرط كونها مقرّبة إلى اللَّه تعالى وبيان كون قبولها مشروطا بطيب النفس ببيان سرّها ، وقد عرفته أيضا في ذلك الفصل وعلمت أنّ من أقسام المستنزلين عن المال من اقتصر منه على أداء الواجب من الزكاة من غير زيادة ولا نقصان وهم العوامّ لجهلهم بسرّ البذل وبخلهم بالمال وميلهم إليه من ضعف حبّهم للآخرة قال تعالى « إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا » ( 1 ) وطهارة الفرق الَّذين ذكرناهم ممّن استنزل عن المال ومحابّهم وقربهم من اللَّه وبعدهم بقدر طيب أنفسهم عن بذل المال والإعراض عنه ومحبّته ، وهذه الفرقة أعني من اقتصر منهم على أداء الواجب فقط تنقسم إلى مؤدّ لذلك الحقّ بطيب نفس ومسامحة ، وإلى مؤدّ له مع بقاء محبّته وتكدير النفس ببذله وتلهّف عليه أو انتظار جزاء له ، وباعتبار القسمين الأوّلين مع القسم الأوّل من هذه الفرقة يكون بذل المال والزكاة قربة إلى اللَّه تعالى وهو الَّذي أشار إليه أمير المؤمنين بقوله : إنّ الزكاة . إلى قوله : ووقاية . وإن كان قد خصّص الزكاة هنا ، وإنّما يكون قربة لاستلزامه رفض هذا المحبوب الَّذي يتصوّر بإذنه أنّ جميع الكمالات الدنيويّة يستفاد منه رغبة عنه ومحبّة للَّه ورغبة فيما عنده ، وتكون كفّارة ماحية لرذيلة البخل وما يستلزمه من الذنوب ، ويكون حجابا بين العبد وبين عذاب اللَّه . إذ قد علمت أنّ مبدء العذاب في الآخرة حبّ الدنيا وأعظمه حبّ المال فإذا كان بذل المال مستلزما لزوال حبّه كان بذلك الاعتبار حجابا من العذاب ووقاية منه ، وأمّا إيتاء الزكاة على الوجه الثاني فهو المذموم والمنهيّ عنه بقوله : ولا يكثرنّ عليها لهفه . بعد أمره بها في قوله : فلا يتبعنّها أحد نفسه ويلزم باذلها على ذلك الوجه النقائص المذكورة : وهي الجهل بالسنّة فإنّ السنّة في أدائها

--> ( 1 ) 47 39 .