ابن ميثم البحراني

466

شرح نهج البلاغة

أن يؤدّى بطيب نفسه ومسامحة ، وأن يكون مغبونا في الأجر فإنّ إيتانها على وجه توقّع جزاء لها لا على وجه القربة إلى اللَّه غير مستلزمة لرضوانه وذلك هو الغبن وإن حصل له جزاء غير رضوان اللَّه فإنّ الحصول على كلّ جزاء غير رضوانه جزاء ناقص وغبن فاحش بالنسبة إليه ، وأن يكون ضالّ العمل وهو إعطاؤه ذلك المال وبذله على غير وجهه وقصده به غير سبيل الهدى إلى رضوان اللَّه ، وأن يكون طويل الندم : أي في محبّة المال وفيما يرجوه به من الجزاء . الثالثة ممّا أوصى به : أداء الأمانة وهي الَّتي أشار القرآن الكريم إليها بقوله « إِنَّا عَرَضْنَا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ والأَرْضِ والْجِبالِ » ( 1 ) الآية ، وقد بيّنّا فيما سلف أنّها تعود إلى العبادة والطاعة المطلوبة من الإنسان بما هو إنسان ، وظاهر أنّ تلك العبادة لا يمكن من غيره فإنّه إنّما حملها من حيث خلق مستصلحا للدارين ، وبيان ذلك أنّ مخلوقات اللَّه تعالى إمّا جمادات أو ذات حياة ، وذوات الحيات إمّا الملائكة والحيوان الأرضي ، والحيوان الأرضي إمّا أعجم أو ناطق . فالحيوان منها وهو الإنسان هو المتأهّل لعمارة الدارين والكون فيها ، وهو الواسطة بين خلقين وضيع وهو الحيوان الأعجم وشريف وهو الملك ، وقد استجمع قوّتي العاملين فهو كالحيوان في الشهوة والغضب وقوّة التناسل وساير القوى البدنيّة المختصّة بالحيوان ، وكالملك في القوّة المجرّدة والعقل والعلم والعبادة وسائر الكمالات النفسانيّة ، ووجه الحكمة في ذلك أنّه تعالى لمّا اقتضت عنايته إيجاده لهذه العبادة المخصوصة أن يجعل في الأرض خليفة لعمارتها جمع له بين القوّتين فإنّه لو كان كالبهيمة خاليا عن العقل لم يتأهّل لمعرفته وعبادته الخاصّة ، ولو خلق كالملك معرّى عن الشهوة والغضب وسائر القوى البدنيّة لم يصلح لعمارة أرضه وخلافته فيها ولذلك قال للملائكة « إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ » فإذن هذه العبادة الخاصّة وهي الأمانة المشار إليها لا يصلح لها إلَّا الإنسان ولا يمكن من غيره ، وقد علمت أيضا فيما سلف أنّ إباء السماوات والأرض والجبال عن حملها يعود إلى امتناع

--> ( 1 ) 33 - 72 .