ابن ميثم البحراني

464

شرح نهج البلاغة

وحاصل الفصل الوصيّة بالمحافظة على أمور ثلاثة والحثّ عليها : أوّلها : الصلاة فأمر بتعاهد أمرها والمحافظة عليها وذلك بافتقار الإنسان لأحوال نفسه حال الصلاة ومراقبتها حذرا أن تشوبها نزغات الشيطان برياء فيها أو التفاوت عنها . ثمّ بالمحافظة على أوقاتها وأداء أركانها كما هي . ثمّ بالاستكثار منها والتقرّب بها إلى اللَّه لكونها أفضل العبادات والقرب إليه . ثمّ أشار إلى فضيلتها ووجه وجوبها : أحدها : قوله : فإنّها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا وهو لفظ القرآن الكريم . وموقوتا : مفروضاً ، وقيل منجّما في كلّ وقت صلاة معيّنة . الثاني : التحذير لتاركها بالتنبيه على استلزام تركها لدخول النار بقوله : لا تسمعون . إلى قوله : من المصلَّين . الثالث : أنّها تحتّ الذنوب حتّ الورق ، وهو تشبيه للمعقول بالمحسوس ووجه الشبه ظاهر ، وكذلك وتطلقها إطلاق الربق : أي وتطلق أعناق النفوس من أغلالها كما تطلق الربقة من عنق الشاة . الرابع : تشبيه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم لها بالجمّة تكون على باب الرجل . وصورة الخبر عنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : أيسّر أحدكم أن يكون على بابه جمّة يغتسل منها كلّ يوم خمس مرّات فلا يبقى عليه من درنه شيء فقالوا : نعم . قال : فإنّها الصلوات الخمس . الخامس : تنبيهه بذكر عرفان رجال من المؤمنين وهم الموصوفون في الآية بقدرها . السادس : نصب الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم فيها وأمر اللَّه تعالى بالمواظبة عليها بعد تبشّره له بالجنّة وذلك في قوله « وأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها » وامتثاله لذلك الأمر في نفسه وأمره أهله ، وروى أنّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم قام في الصلاة حتّى تورمت قدماه . فقيل له في ذلك . فقال : أفلا أكون عبدا شكورا ، وذلك من أوضح الدلائل على كثرة فوائدها وقوّة فضيلتها ، واعلم أنّه قد ورد في فضلها أخبار كثيرة بعد تأكيد القرآن للأمر بها ، وقد بيّنّا ذلك وأشرنا إلى فضيلتها إشارة مستوفاة في الفصل