ابن ميثم البحراني

450

شرح نهج البلاغة

كرب منازل الآخرة وأهوالها . العاشر : كونها حرزا من متالف مكتنفة . وتلك المتالف هي الرذائل الموبقة الَّتي هي محالّ الهلاك والتلف . واكتنافها إحاطتها بالنفس بحيث لا يكفّها إلَّا طاعة اللَّه وسلوك سبيله ، والمخاوف المتوقّعة مخاوف الآخرة وحرّ نيرانها . الحادي عشر : كون التقوى مستلزمة لبعد الشدائد عن المتّقى بعد دنوّها منه ، وكثيرا ما يعبّر بالتقوى عن الطاعة وإن كانت أخصّ في بعض المواضع . أمّا في بعد شدائد الآخرة فظاهر ، وأمّا في الدنيا فلأنّ المتّقين هم أسلم الناس من شرور الناس لبعدهم عن مخالطاتهم ومجاذباتهم لمتاع الدنيا ، وبغضهم لها . إذ كانت محبّتها والحرص عليها منبعا لجميع الشرور والشدائد . الثاني عشر : كونها مستلزمة لحلاوة الأمور بعد مرارتها . أمّا أمور الآخرة فكالتكليف الوارد عليهم لها بالعبادات ، وظاهر أنّها عند المتّقين أحلى وألذّ من كلّ شيء بعد مرارتها في ذوقهم في مبدء سلوكهم وثقلها عليهم وعلى غيرهم من الجاهلين ، وأمّا المرّ من أمور الدنيا فكالفقر والعرى والجوع ، وكلّ ذلك شعار المتّقين ، وهو أحلى في نفوسهم وآثر من كلّ شعار وإن كان مرّا في ذوقهم في مبدء السلوك وقبل وصولهم إلى ثمرات التقوى . الثالث عشر : وانفراج الأمواج عنه بعد تراكمها . واستعار لفظ الأمواج للهيئات البدنيّة الرديئة وملكات السوء الَّتي إذا تكاثفت وتوالت على النفس أغرقتها في بحار عذاب اللَّه . وظاهر كون لزوم التقوى سببا ينفرج باستعداد النفوس به عنها تلك الهيئات وينمحي من لوحها وإن كثرت . الرابع عشر : كون لزومها سببا لتسهيل صعاب الأمور على النفس بعد إتعابها لها ، وذلك أنّ المتّقين عند ملاحظة غايتهم من نفوسهم يسهل عليهم كلّ صعب من أمور الدنيا ممّا يشتدّ على غيرهم كالفقر والمرض وكلّ شديد ، وكذلك يسهل عليهم كلّ صعب من مطالب الآخرة بعد إتعاب تلك المطالب لهم قبل تصوّرها التامّ في أوّل التكليف .