ابن ميثم البحراني

451

شرح نهج البلاغة

الخامس عشر : كونه سببا لهطل الكرامة عليهم ، والكرامة تعود إلى الكمالات النفسانيّة الباقية والالتذاذ بها . ولاحظ في إفاضتها عليهم مشابهتها بالغيث فاستعار لها لفظ الهطل وأسنده إليها ، وكذلك لفظ القحوط ، وكنّى به عن منعهم إيّاها قبل استعدادهم بالتقوى لها . السادس عشر : كونه سببا لتعطف الرحمة الإلهيّة بإفاضة الكمالات عليهم بعد نفورها عنهم لعدم الاستعداد أيضا ، ولفظ التحدّب مستعار للإرادة أو لأثر الرحمة ، وكذلك لفظ النفور لعدم أثرها في حقّهم قبل ذلك . السابع عشر : كونه سببا لتفجّر النعم بعد نضوبها ، ولفظ التفجّر مستعار لانتشار وجوه إفاضات النعم الدنيويّة والأُخرويّة كما قال تعالى « ومَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ويَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ » ( 1 ) وكذلك لفظ النضوب لعدمها قبل الاستعداد لها ملاحظة لشبه النعم بالماء في الاستعارتين . الثامن عشر : كونه سببا لوبل البركة بعد رذاذها ، ولفظ الوبل مستعار للفيض الكثير من البركة بعد الاستعداد بالتقوى ، ولفظ الرذاذ للقليل قبل ذلك الاستعداد ملاحظة لشبهها بالغيث أيضا ، وظاهر كون التقوى سببا لمزيد الفيض على كلّ من كان له بعض الكمالات كمن يستعدّ بالعلوم دون الزهد والعبادة ثمّ يسلك بهما . ثمّ بعد الفراغ من فضائلها والترغيب فيها من تلك الجهة أعاد الأمر بها ورغَّت فيها باعتبارات أُخر من إنعام المنعم ، وهي كونه تعالى نافعا لهم بموعظته : أي جاذبا لهم إلى جنّته ، مرغَّبا لهم في كرامته ، وواعظا لهم برسالته إليهم ، وممتّنا عليهم بنعمته كقوله تعالى « واذْكُرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ » في غير موضع من كتابه . ثمّ أمرهم بتعبيد أنفسهم وتذليلها لعبادته والخروج إليه من حقّه الَّذي يطلبه منهم وهو طاعته . ثمّ ذكر الإسلام وفضائله مرغَّبا فيه . وهو كالتفسير لطاعته وعبادته فكأنّه قال : واخرجوا إليه من حقّ طاعته الَّذي هو الإسلام فإنّه ذكر له فضائل : ( ا ) كونه اصطفاه لنفسه : أي طريقا إلى معرفته ونيل ثوابه .

--> ( 1 ) 65 - 2 .