ابن ميثم البحراني

436

شرح نهج البلاغة

مانعة له عن الجور إلى طرف الباطل كالزمام للناقة ، وأراد بكونها قواما كونها مقيمة للعبد في سلوك سبيل اللَّه أيضا إقامة للمصدر مقام اسم الفاعل . وقوله : فتمسّكوا بوثائقها . أي بما به يوثق منها وهو سائر أنواع العبادات الَّتي هي أجزاؤها ، والتمسّك بها يقود إلى لزومها والمواظبة عليها . واعتصموا بحقائقها : أي بالخالص منها دون المشوب بالرياء والنفاق فإنّ الالتجاء إلى خالصها هو المخلص من عذاب اللَّه . وقوله : تؤل بكم . انجزم تؤل لكونه جواب الأمر بالتمسّك والاعتصام . وأكنان الدعة مواطن الراحة من الآلام الحسّيّة والعقليّة . وهي غرفات الجنّة ومنازلها وهي أوطان السعة أيضا من ضيق الأبدان وضنك بيوت النيران ، وهي معاقل الحرز المانعة من عذاب اللَّه . وهي منازل العزّ في جوار اللَّه . وقوله : في يوم . متعلَّق بتأول ، واليوم يوم القيامة وسائر ما عدّده من صفات ذلك اليوم ممّا نطق به الكتاب الكريم كقوله تعالى « إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصارُ » ( 1 ) وقوله « وإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ » ( 2 ) وقوله « ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ ومَنْ فِي الأَرْضِ » ( 3 ) وقوله « ويَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً » ( 4 ) الآية وقوله « فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ » ( 5 ) وقوله « فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ » ( 6 ) فهذه بعض أهوال القيامة المحسوسة ، وأمّا المعقولة فقال بعض السالكين : إنّ الإنسان إذا حضرته الوفاة شخص بصر عقله إلى ما انكشف له من الأطوار الأُخرويّة ، وأظلمت عليه أقطار الدنيا ، وغاب منها ما كان يشاهده ، وتعطَّلت عنه عشاره ، وناداه داعى الأجل إلى الآخرة فزهقت نفسه ، وأجابت الداعي ، وبكمت لهجته ، وذلَّت شوامخ الجبال ورواسخها في نظره لعظمة اللَّه عند مشاهدة كبريائه

--> ( 1 ) 14 - 34 . ( 2 ) 81 - 4 . ( 3 ) 39 - 68 . ( 4 ) 20 - 105 . ( 5 ) 26 - 100 . ( 6 ) 30 - 57 .