ابن ميثم البحراني

417

شرح نهج البلاغة

الخامسة عشر : عدم إرادتهم للدنيا مع إرادتها لهم ، وهو إشارة إلى الزهد الحقيقيّ ، وهو ملكة تحت العفّة ، وكنّى بإرادتها عن كونهم أهلا لأن يكونوا فيها رؤساءاً وأشرافا كقضاة ووزراء ونحو ذلك ، وكونها بمعرض أن تصل إليهم لو أرادوها ، ويحتمل أن يريد أرادهم أهل الدنيا فحذف المضاف . السادسة عشر : افتداء من أسرته لنفسه منها ، وهو إشارة إلى من تركها وزهد فيها بعد الانهماك فيها والاستمتاع بها ففكّ بذلك الترك والإعراض والتمرّن على طاعة اللَّه أغلال الهيئات الرديئة المكتسبة منها من عنقه ، ولفظ الأسر استعارة في تمكَّن تلك الهيئات من نفوسهم ، ولفظ الفدية استعارة لتبديل ذلك الاستمتاع بها بالإعراض عنها والمواظبة على طاعة اللَّه ، وإنّما عطف بالواو في قوله : ولم يريدوها ، وبالفاء في قوله : ففدوا . لأنّ زهد الإنسان في الدنيا كما يكون متأخّرا عن إقبالها عليه كذلك قد يكون متقدّما عليه لقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : ومن جعل الآخرة أكبر همّه جمع اللَّه عليه همّه وأتته الدنيا وهى راغمة . فلم يحسن العطف هنا بالفاء ، وأمّا الفدية فلمّا لم يكن إلَّا بعد الأسر لا جرم عطفها بالفاء . السابعة عشر : كونهم صافيّن أقدامهم بالليل يتلون القرآن ويرتّلونه . إلى قوله : آذانهم . وذلك إشارة إلى تطويع نفوسهم الأمّارة بالسوء بالعبادات ، وشرح لكيفيّة استثارتهم للقرآن العزيز في تلاوته وغاية ترتيلهم له بفهم مقاصده وتحزينهم لأنفسهم به عند ذكر الوعيدات من جملة استثارتهم لأدواء دائهم ، ولمّا كان داؤهم هو الجهل وسائر رذائل العمليّة كان دواء الجهل بالعلم ، ودواء كلّ رذيلة الحصول على الفضيلة المضادّة . فهم بتلاوة القرآن يستثيرون بالتحزين الخوف من وعيد اللَّه المضادّ للانهماك في الدنيا ، ودوائه العلم الَّذي هو دواء الجهل ، وكذلك كلّ فضيلة حثّ القرآن عليها فهي دواء لما يضادّها من الرذائل ، وباقي الكلام شرح لكيفيّة التحزين والتشويق . وقوله : فهم حانون على أوساطهم . ذكر لكيفيّة ركوعهم .