ابن ميثم البحراني

406

شرح نهج البلاغة

إلى العمل لما يبقى . ويسدّ عنهم باب التوبة بإدراك الأجل فيجب مبادرتها . وقوله : فقد أصبحتم . إلى قوله : قبلكم . أي أصبحتم في حال الحياة والصحّة والأمن وساير الأسباب الَّتي يتمنّى من كان قبلكم الرجعة إليها ، ويمكنكم معها العمل . وقوله : وأنتم بنو سبيل . إلى قوله : بالزاد . فالواو في أنتم للحال ، واستعار لهم وصف بنو السبيل لكونهم في هذه الدار بالعرض تقصد بهم العناية الإلهيّة غاية أخرى ، وتحثّهم بالشريعة على الرحيل عن الدنيا فهم فيها كالمسافرين . فأبواب مدينتهم جود اللَّه . وأقرب الأبواب إلى الدنيا الأرحام الَّتي منها يخرجون إليها . وأبواب الخروج منها هي الموت . ولفظ السفر مستعار مشهور يقرب من الحقيقة . وظاهر أنّ دارا لا يبقى الإنسان فيها بل تكون مرافق لطريق دار أخرى ليست بدار للسالك إلى تلك الدار ، ونبّه على إيذانهم فيها بالرحيل منها تنفيرا عن الركون إليها واتّخاذها وطنا ، وعلى أمرهم باتّخاذ الزاد فيها تنبيها على أنّ هناك غاية لها يجب أن يستعدّ للسلوك إليها فيها . ولفظ الزاد مستعار لتقوى اللَّه وطاعته الَّتي هي زاد النفوس إلى حضرة ربّ العالمين . وقوله : واعلموا . إلى قوله : نفوسكم . تذكير بالوعيد على المعاصي ، وأمر لهم برحمة نفوسهم . وذلك بالأعمال الصالحة واتّباع أوامر اللَّه . وقوله : فإنّكم قد جرّبتموها . إلى قوله : شيطان . في قوّة احتجاج على وجوب تلك الرحمة . وتلخيصه أنّكم جرّبتم أنفسكم في هذه الأمور الحقيرة فجزعتم ، وكلّ من جزع من أمثال هذه فبالأولى أن يجزع من كونه بين طابقين من نار ضجيع حجر وقرين شيطان ، وقد علمت فيما سلف أنّ للنار سبع طبقات وهي دركاتها ، وضجيع حجر من قوله تعالى « وَقُودُهَا النَّاسُ والْحِجارَةُ » ، وقرين شيطان من قوله « فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ والْغاوُونَ وجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ » ( 1 )

--> ( 1 ) 26 - 94 .