ابن ميثم البحراني

407

شرح نهج البلاغة

وهم الشياطين ، وقوله « ومَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ » ( 1 ) إلى قوله « ولَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ » ( 2 ) . وقوله : أعلمتم أنّ مالكا . إلى قوله : زجرته . من صفات النار المحسوسة ذكرها للتخويف والتحذير . وقوله : أيّها اليفن الكبير . إلى قوله : السواعد . خطاب للشيخ الكبير لأنّه أولى بالإقلاع عن المعصية لقربه من الآخرة . وسؤاله عن حاله سؤاله تقريع وتوبيخ على المعصية . وأطواق النار المحسوسة ظاهرة ، وأطواقها المعقولة تمكَّن الهيئات البدنيّة من أعناق النفوس ، وأغلالها من سواعدها . ثمّ أخذ في التحذير من اللَّه لغاية العمل بما يرضيه حال الصحّة والفسحة قبل لحوق ضدّيهما . ثمّ في الأمر بالسعي لغاية فكاك رقابهم من النار . قبل أن تغلق رهائنها بآثامها . وقد علمت وجه الاستعارة هنا للرهن . ثمّ في الأمر بالسهر ، وكنّى به عن قطع الليل بالعبادة كقوله تعالى « ومِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا » ( 3 ) وإنّما خصّ الليل لأنّه مظنّة الخلوة باللَّه والفراغ من الناس ، ولأنّ النهار محلّ عبادة أخرى كالجهاد والكدح للعيال . ثم بتضمير البطون ، وكنّى به عن صيام النهار . ثمّ باستعمال أقدامهم ، وكنّى به عن القيام في الصلاة . ثمّ بإنفاق أموالهم ، وكنّى به عن الصدقات والزكوات في سبيل اللَّه . ثمّ بالأخذ من أجسادهم ، وكنّى به عن إذابتها بالصيام والقيام للصلوات وإيثار القشف المستلزم للإعراض عن تربيته هذه الأجساد لاستلزام ذلك حبّ الدنيا والإقبال على لذّاتها . ولا شكّ أنّ الأخذ من الجسد بهذه العبادات جود على النفس بملكات الخير والقرب من اللَّه تعالى ، ولذلك قال : فجودوا بها على أنفسكم ولا تبخلوا بها عنها . وفي ذكر أنّ إتعاب الجسد جود على النفس ترغيب فيه . ثمّ استشهد بالآيتين على وعد اللَّه بالنصر لمن نصره ، وبمضاعفة الأجر لمن أقرضه بعد أمره بنصر اللَّه بامتثال أوامره وبقرضه بالصدقات ، ووجه استعارة لفظ القرض كثرة الأوامر الإلهيّة الطالبة للصدقات فأشبهت طلب

--> ( 1 ) 43 - 35 ( 2 ) 43 - 38 . ( 3 ) 76 - 26 .