ابن ميثم البحراني
405
شرح نهج البلاغة
قبل ذلك الملك المقدّس يكون بها الراحة الكبرى كما تكون بالظلّ أيضا . وبالمعنى الثالث أنّ سلطانه تعالى وعلوّه هو المستولي على كلّ سلطان والعالي عليه العلوّ المطلق . وإذ هو مبدء راحة جميع النفوس بجميع كمالاتها العقليّة فهو ظلَّها الَّذي إليه يلجأ . وإطلاق لفظ الظلّ على النعمة والسلطان في العرف ظاهر يقال : أنا في ظلّ فلان وفي ظلّ الملك وعدله إذا كان في نعمة منه وعنايته . وقوله : ونورها بهجته . فبهجته تعالى تعود إلى بهائه وكماله المشرق في أقطار العالمين على أسرار النفوس . وظاهر كونه نور الجنّة الَّذي تعشى فيه أبصار البصائر ، ويستغرق في الابتهاج به الملائكة المقرّبون . وقوله : وزوّارها ملائكته ورفقاؤها رسله . فيه لطيفة : وذلك أنّه لمّا كانت النفوس البشريّة متّحدة كانت متقاربة المنازل في الكمال ، وممكن لها ذلك . فعبّر عن الرسل بالرفقاء في الجنّة لسكَّانها . ولمّا خالفت أنواع الملائكة السماويّة والمجرّدين عن علايق الأجسام في الحقائق وتفاوتت في الكمالات لا جرم خصّص الملائكة بكونهم زوّارها : أي زوّار ساكنيها . إذ كان الرفيق ألصق وأقرب من الزائر . وعبّر بتلك الزيارة عن حضور الملأ الأعلى عند النفوس الكاملة عند [ حين خ ] انقطاعها عن العلايق الحسيّة والتفاتها عنها . ولمّا كان ذلك الحضور غير دايم بل بحسب فلتات النفس أشبه الزيارة فاستعير له لفظها . وإنّما كان الملك هو الزائر دون النفس لأنّ صورته ومثاله هو الواصل إلى النفس عند استعدادها لتصوّره من فيض واهب الصور . ثمّ عاد إلى التذكير بأمر المعاد فأمر بمبادرته إلى المعالجة إلى ما يصلحه ويخلص من أهواله من سائر القربات إلى اللَّه . وكذلك مسابقة الآجال . وقوله : فإنّ الناس يوشك أن ينقطع بهم الأمل . أي أمل الدنيا والبقاء فيها . ولأجل ذلك الانقطاع وقربه يجب أن يلتفت إلى صلاح المعاد . ويرهقهم الأجل : أي يلحقهم . فلأجل ذلك اللحوق يجب أن يسارع