ابن ميثم البحراني

4

شرح نهج البلاغة

المصالح ترك محبوب لا بدّ من مفارقته تركا باستدراج النفس واستغفالها كي لا يقدحها مفارقته دفعة مع تمكَّن محبّته عن جوهرها فيبقى كمن نقل من معشوقه إلى موضع ظلمانيّ شديد الظلمة . الثاني : كونها مبلية لأجسامهم وإن أحبّوا تجديدها وإبلائها بالأمراض والهرم ، ومن شأن الموذي أن يجتنب لا أن يحبّ إصلاحه . ثمّ أردف ذلك بتمثيلهم في الكون بها فمثّلهم بالسفر ومثّلها بسبيل هم سالكوه ، ومن سلك سبيلا فكأنّهم قطعوه فالمشبّه هم باعتبار سرعة سيرهم وقرب الآخرة منهم وقطع منازل الأعمار ، والمشبّه به قاطع ذلك السبيل : أي من سلك سبيلا أشبه في سرعة سيره من قطعه ثمّ لمّا كان لا بدّ لكلّ طريق سلك من غاية يقصد فمن سلك سبيلا فكأنّهم بلغوا تلك الغاية : أي أشبهوا في قرب وصولها من بلغها وهو تخويف بالموت وما بعده وتحقير لمدّة البقاء في الدنيا والمقام فيها ، وأكَّد ذلك بقوله : وما عسى المجرى إلى الغاية أن يجرى إليها حتّى يبلغها : أي إجرائه إليها بسير سريع ، وفي بعض النسخ : وكم عسى ، والتقدير وكم يرجو الَّذي يجرى إلى غاية من إجرائه إليها حتّى يبلغها ، وهو استفهام في معنى التحقير لما يرجوه من مدّة الجرى ، وهي مدّة الحياة الدنيا ، ومفعول المجرى محذوف والتقدير المجرى مركوبه . ولمّا لم يكن الغرض إلَّا ذكر الإجراء لا جرم حذف المفعول . وقد يجيء لازما ، وكذلك قوله : وما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه . إلى قوله : يفارقها : أي وما يرجى ويؤمل أن يكون من ذلك البقاء ، وكان هنا تامّة وهو في الموضعين استفهام على سبيل التحقير لما يرجى من البقاء في الدنيا والانكار على المؤمّل الراجي له ، وعنى بالطالب الحثيث الموت وأسند إليه الطلب مجازا واستعار له لفظ الحد و ، وقد علمت وجه هذه الاستعارة ، وكنّى بذلك الحد وعمّا يتوهّم من سوق أسباب الموت للبدن إليه . وقوله : ولا تنافسوا . إلى قوله : إلى فناء . نهى عن اعتبار شيء من أحوالها : خيرها وشرّها . فمن خيرها عزّها وفخرها