ابن ميثم البحراني
5
شرح نهج البلاغة
وزينتها ونعيمها ، ونهى عن المنافسة فيه والاعجاب به ، وأمّا شرّها فضرّائها وشدائدها ، ونهى عن الجزع منها وعلَّل وجوب الانتهاء عمّا نهى عنه بانقطاعه وزواله . وما كان من شأنه الزوال والانقطاع فمن الواجب أن لا يتنافس فيه ولا يعجب به وإن عدّ نافعا ، وأن لا يجزع من وجوده وإن عدّ ضارّا . وقوله : أوليس لكم في آثار الأوّلين . إلى قوله : لا يبقون . تذكرة لهم بآثار السابقين لهم والماضين من آبائهم على سبيل استفهامهم عن حصول العبرة لهم بهم استفهام إنكار عليهم أن لا يستفيدوا من ذلك عبرة على تقدير أنّهم عقلاء كما يزعمون ذلك ثمّ تنبيه لهم على وجه الاعتبار والاتّعاظ وهو عدم رجوع الماضي منهم وعدم بقاء الباقي فإنّ ذلك محلّ العبرة ثمّ تنبيه لهم على ما يرون من أحوال أهل الدنيا المختلفة ليستدلَّوا على عدم بقائها باختلاف أحوالها وعلى أنّها لا تصلح قرارا فأهلها بين ميّت يبكى ، وآخر يعزّى ، وآخر صريع مبتلى بالأمراض والأسقام ، وآخر يعوده مشغول الخاطر به ، وآخر في المعاوقة والاحتضار ، والسالم من تلك الأمور طالب للدنيا والموت من ورائه طالب له غافل عمّا يراد به وليس اللَّه بغافل عنه ثمّ لا بدّ له أن يمضى على أثر من مضى وإن طال بقائه ، وما في ما يمضى مصدريّة ، وإنّما قدّم الميّت في أقسام أهل الدنيا لأنّ ذكره أشدّ موعظة ، واستعار لفظ الجود للمحتضر ، ووجه المشابهة أنّه يسمح بنفسه ويسلَّمها كما يسلَّم الجواد ما يعطيه من مال ثمّ أمرهم بذكر الموت ووصفه بلوازمه المنفّرة عنه وهي كونه هادما للَّذّات الدنيويّة ، ومنغّصا لشهواتها وقاطعا للأمنيّات فيها ، وعيّن لهم وقت ذكره وهو عند وثباتهم إلى الأعمال القبيحة ليكون ذكره زاجرا لهم عنها ثمّ بالرغبة إلى اللَّه في طلب معونته بجواذب عنايته وجميل لطفه على أداء واجب حقوقه الَّتي كلَّفنا القيام بها بالمواظبة عليها وأداء واجب ما لا يحصى من نعمه بدوام شكرها والاعتراف بها ملاحظين لجلال كبريائه باعتبار كلّ جزئيّ منها . وباللَّه التوفيق .