ابن ميثم البحراني

38

شرح نهج البلاغة

التبكيت والتذكير بالرذيلة بذكر فضيلتهم الَّتي ختموا بها وهي حوزهم لعدوّهم بالأخرة كحوزهم لهم أوّلا وإزالتهم عن مواقفهم كما أزالوهم وحسّهم استيصالا وطعنا يركب مقدّمهم تاليهم ، وأوّلهم آخرهم ليثبتوا على مثل هذه الأفعال في مثل تلك المواقف ، وعدّ ذلك شفاء لوحاوح صدره ، وكنّى بالوحاوح عمّا كان يجده من التألَّم بسبب انقهار أصحابه وغلب عدوّهم لهم وشبّههم في تضعضعهم وركوب بعضهم لبعض مولَّين بالإبل العطاش الَّتي اجتمعت على الحياض ليشرب ثمّ طردت ورميت عنها بالسهام وذيدت عمّا وردته فإنّ طردها على ذلك الاجتماع يوجب لها أن يركب بعضها بعضا ويقع بعضها على بعض . وباللَّه التوفيق . 105 - ومن خطبة له عليه السّلام وهى من خطب الملاحم الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُتَجَلِّي لِخَلْقِهِ بِخَلْقِهِ - والظَّاهِرِ لِقُلُوبِهِمْ بِحُجَّتِهِ - خَلَقَ الْخَلْقَ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ - إِذْ كَانَتِ الرَّوِيَّاتُ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِذَوِي الضَّمَائِرِ - ولَيْسَ بِذِي ضَمِيرٍ فِي نَفْسِهِ - خَرَقَ عِلْمُهُ بَاطِنَ غَيْبِ السُّتُرَاتِ - وأَحَاطَ بِغُمُوضِ عَقَائِدِ السَّرِيرَاتِ أقول : حمد اللَّه تعالى باعتبارات خمسة : أحدها : اعتبار تجلَّيه لخلقه بخلقه ، وقد علمت غير مرّة أنّ تجلَّيه يعود إلى إجلاء معرفته من مصنوعاته لقلوب عباده حتّى أشبهت كلّ ذرّة من مخلوقاته مرآة ظهر فيها لهم . فهم يشاهدونه على قدر قبولهم لمشاهدته وتفاوت تلك المشاهدة بحسب تفاوت أشعّة أبصار بصائرهم . فمنهم من يرى الصنيعة أوّلا والصانع ثانيا ، ومنهم من يراهما معا ، ومنهم من يرى الصانع أوّلا ، ومنهم من لا يرى مع الصانع غيره . الثاني : الظاهر لقلوبهم بحجّته : أي الواضح وجوده لقلوب منكريه بأوهامهم وألسنتهم بقيام حجّته عليهم بذلك وهي إحكام الصنع وإتقانه في أنفسهم وإن احتاجوا إلى تنبيه ما كقوله تعالى « وفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ » وكذلك في ملكوت السماوات