ابن ميثم البحراني

366

شرح نهج البلاغة

فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه . وما روى أنّ رجلا أتى جبلا يعبد اللَّه فيه فجاء به أهله إلى الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم فنهاه عن ذلك . وقال له : إنّ صبر المسلم في بعض مواطن الجهاد يوما واحدا خير له من عبادة أربعين سنة ، وأقول : إنّ كلا الاحتجاجين صحيح لكنّه ليس أفضليّة العزلة مطلقا ولا أفضليّة المخالطة مطلقا بل كلّ في حقّ بعض الناس بحسب مصلحته ، وفي بعض الأوقات بحسب ما يشتمل عليه من المصلحة . واعلم أنّه من أراد أن يعرف مقاصد الأنبياء عليهم السّلام في أوامرهم وتدبيراتهم فينبغي أن يتعرّف طرفا من قوانين الأطبّاء ، ومقاصدهم من العبارات المطلقة لهم فإنّه كما أنّ الأطبّاء هم المعالجون للأبدان بأنواع الأدوية والعلاجات لغاية بقائها على صلاحها أو رجوعها إلى العافية من الأمراض البدنيّة كذلك الأنبياء عليهم السّلام ومن يقوم مقامهم فإنّهم أطبّاء النفوس والمبعوثون لعلاجها من الأمراض النفسانيّة كالجهل وسائر رذائل الأخلاق بأنواع الكلام من الآداب والمواعظ والنواهي والضرب والقتل ، وكما أنّ الطبيب قد يقول الدواء الفلاني نافع من المرض الفلاني ، ولا يعنى به في كلّ الأمزجة بل في بعضها كذلك الأنبياء والأولياء إذا أطلقوا القول في شيء أنّه نافع كالعزلة مثلا فإنّهم لا يريدون أنّها نافعة لكلّ إنسان ، وكما أنّ الطبيب قد يصف لبعض المرضى دواء ويرى شفائه فيه ويرى أنّ ذلك الدواء بعينه لمريض آخر كالسمّ القاتل ويعالجه بغيره كذلك الأنبياء عليهم السّلام قد يرون أنّ بعض الأمور دواء لبعض النفوس فيقتصرون عليه ، وقد يرون أنّ بعض الأوامر علاج لبعض النفوس كالأمر بالعزلة والحثّ عليها لبعض الناس ، وقد يرون أنّ ذلك العلاج بعينه مضرّ لغير تلك النفس فيأمرونها بضدّ ذلك كالأمر بالمخالطة والمعاشرة ، وأكثر ما يختارون العزلة لمن بلغ رتبة من الكمال في قوّتيه النظريّة والعمليّة ، واستغنى عن مخالطة كثير من الناس لأنّ أكثر الكمالات الإنسانيّة من العلوم والأخلاق إنّما تحصل بالمخالطة خصوصا إذا كان ذلك الإنسان أعني المأمور بالعزلة خاليا عن عائلة يحتاج أن يتكسب لهم ، وأكثر ما يختارون المخالطة