ابن ميثم البحراني

365

شرح نهج البلاغة

حتّى يصير الناس كرجل واحد ويتمّ نظام العالم بذلك كان في الفرقة أضداد ذلك وكذلك ما روى عن الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ، وقد سبق بيان فضيلة الاجتماع . ثمّ أعاد النهى عن الغيبة للناس بذكر معايبهم ونبّه من عساه أن يستحيي من نفسه بأنّ لكلّ عيبا ينبغي أن يشتغل به ، وطوبى فعلى من الطيب ، والواو منقلبه عن الياء ، وقيل : هي اسم شجرة في الجنّة ، وعلى التقديرين مبتداء . ثمّ نبّه على فضل العزلة ولزوم البيت للاشتغال بطاعة اللَّه والبكاء على الخطيئة والندم عليها . وقوله : وكان من نفسه في شغل . إلى آخر ما ذكره ثمرة العزلة . واعلم أنّ الناس قد اختلفوا في أنّ العزلة أفضل أم المخالطة ففضّل جماعة من مشاهير الصوفيّة والعارفين العزلة منهم إبراهيم بن أدهم وسفيان الثوري ، وداود الطائي والفضيل بن عياض وسليمان الخواص وبشر الحافي ، وفضّل الآخرين المخالطة ومنهم الشعبي وابن أبي ليلى وهشام بن عروة وابن شبرمة وابن عيينة وابن المبارك ، واحتجّ الأوّلون بالنقل والعقل : أمّا النقل فقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم لعبد اللَّه بن عامر الجهني لمّا سأله عن طريق النجاة . فقال : ليسعك بيتك وأمسك عليك لسانك وابك على خطيئتك . وقيل له صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : أيّ الناس أفضل . فقال : رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربّه ويدع الناس من شرّه ، وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : يحبّ التقى النقى الخفيّ ، وأمّا العقل فهو أنّ في العزلة فوائد مطلوبة للَّه لا توجد في المخالطة فكانت أشرف منها الفراغ لعبادة اللَّه والذكر له والاستيناس بمناجاته والاستكشاف لأسراره في أمور الدنيا والآخرة من ملكوت السماوات والأرض ، ولذلك كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم يتعبّد بجبل حراء ويعتزل به حتّى آتته النبوّة ، واحتجّ الآخرون بالقرآن والسنّة : أمّا القرآن فقوله تعالى « فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً » ( 1 ) وقوله « ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا » ( 2 ) ومعلوم أنّ العزلة تنفى تألَّف القلوب وتوجب تفرّقها ، وأمّا السنّة فقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : من فارق الجماعة قيد شبر

--> ( 1 ) 3 - 98 ( 2 ) 3 - 99 .