ابن ميثم البحراني
364
شرح نهج البلاغة
صغائر الزلَّات ، وهي الَّتي لا تكسب النفس هيئة رديئة باقية بل حالة يسرع زوالها ، وإليه الإشارة بقوله تعالى « ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ » ( 1 ) أي في حال كونهم ظالمين : ثمّ أخذ في التحذير من الظلم بذكر شدّة القصاص في الآخرة ، وصدق أنّه ليس جرحا بمدية ولا ضربا بسوط كقصاص الدنيا ، ولكنّه ما يستصغر ذلك معه من العقوبات بالنار المشهورة أوصافها ، وروى عن الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم أنّه كان جالسا في أصحابه فسمع هدّة . فقال : هذا حجر أرسله اللَّه تعالى من شفير جهنّم فهو يهوى فيها منذ سبعين خريفا حتّى بلغ الآن قعرها فهذا بعض أوصافها المحسوسة . واعلم أنّ لهذا الخبر تماما ما يكشف سرّه ، وهو أنّ الراوي قال : فسمعنا بعد ذلك صيحة وصراخا فقلنا : ما هذا فقالوا : فلان المنافق مات وكان عمره يومئذ سبعين سنة . قال بعض من تلطَّف : إنّ المراد بجهنّم المشار إليها هي الدنيا ومتاعها . وبالحجر هو ذلك المنافق استعارة ، ووجه المشابهة أنّ ذلك المنافق لم ينتفع بوجوده مدّة حياته ولم تكسب نفسه خيرا فأشبه الحجر في ذلك ، وإرسال اللَّه تعالى له هو إفاضته عليه ما استعدّ له من اتّباع هواه فيها والانهماك في شهوتها والتيه عن سبيله المشار إليه بقوله « يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ » وشفيرها هو أوّلها بالنسبة إليه وذلك حين استعداده للانهماك فيها ، وأوّل الأمور القائدة له في طرق الضلال من متاعها ولذّاتها ، وهويّه فيها سبعين خريفا هو انهماكه فيها مدّة عمره ، وبلوغه قعرها هو وصوله بموته إلى غاية العذاب بسبب ما اكتسب منها من ملكات السوء كما أومأنا إليه غير مرّة . ثمّ نهى عن التلوّن في دين اللَّه ، وكنّى به عن منافقة بعضهم لبعض فإنّ ذلك يستلزم الفرقة ولذلك . قال : فإنّ جماعة فيما تكرهون من الحقّ خير من فرقة فيما تحبّون من الباطل : أي فإنّ الاجتماع على الحقّ المكروه إليكم كالحرب مثلا خير لكم من الافتراق في الباطل المحبوب عندكم كمتاع الدنيا . ثمّ تمّم النهى عن الفرقة وقال : فإنّ اللَّه لم يعط أحدا بفرقة خيراً لا من الماضين ولا من الباقين ، ولمّا كان الخير في الاجتماع والألفة والمحبّة
--> ( 1 ) 13 - 7 .