ابن ميثم البحراني

36

شرح نهج البلاغة

والهداية للإيمان وما في تلك المنزلة من الفضل حتّى عمّت حرمتها إمائهم وجيرانهم وإن كانوا غير مسلمين ، وعظَّمهم من لا فضل لهم عليه ولا يد لهم عنده ، وهابهم من لا يخاف سطوتهم . وظاهر أنّ سبب ذلك كلَّه هو كرامة اللَّه لهم بالإسلام والهداية للإيمان . ثمّ لمّا قرّر نعمة اللَّه عليهم أردف ذلك بالتوبيخ لهم على التقصير في أداء واجب حقّه ، وأشار إلى ارتكابهم لبعض مسبّبات كفران نعمته وهو عدم إنكارهم لما يرون من نقض عهود اللَّه وسكوتهم عليها وعدم غضبهم منها كالراضين بذلك ، وأراد بذلك بغى البغاة وخروج الخوارج وسائر المنكرات الَّتي وقعت من أهل الشام وغيرهم ، خالفوا فيها أمر اللَّه ونكثوا بيعته الَّتي هي عهد من عهود اللَّه عليهم فإنّ السكوت على مثل ذلك مع التمكَّن من إزالته وإنكاره بالجهاد منكرهم راكبوه ، والواو في قوله : وأنتم للحال : أي وأنتم مع ذلك تأنفون لنقض ذمم آبائكم فكان يجب منكم بطريق الأولى أن تأنفوا لعهود اللَّه أن تنقض وذممه أن تخفر . ثمّ ذكَّرهم تقريطهم وتهاونهم في الأمور الَّتي كان اللَّه سبحانه فرضها عليهم وجعلهم موردها ومصدرها من أمور الإسلام وأحكامه والتسلَّط به على سائر الناس وبكَّتهم بتمكينهم الظلمة في منزلتهم تلك من الإسلام ، وأراد بالظلمة معاوية وقومه وبتمكينهم لهم تخاذلهم عنهم وإلقائهم أزمّة الأمور إليهم بذلك ، ولفظ الأزمّة مستعار ، والأمور الَّتي سلَّموها إليهم أحوال بلاد الإسلام . كلّ ذلك بالتقصير عن مجاهدتهم . وعملهم بالشبهات : عملهم على وفق أوهامهم الفاسدة وآرائهم الباطلة الَّتي يتوهّمونها حججا فيما يفعلون ، وسيرهم في الشهوات : قطع أوقاتهم بالانهماك في مقتضيات الشهوة . وقوله : وأيم اللَّه . إلى آخره . تحذير لهم وإنذار بما سيكون من بنى أُميّة من جمع الناس في بلائهم وشرورهم وعموم فتنتهم ، وكنّى باليوم عن مدّة خلافتهم الَّتي كانت شرّ الأوقات على الإسلام وأهله ، وإنّما نسب التفريق إليهم والجمع إلى اللَّه تقريرا لما سينزل به قدره من ابتلاء الخلق بهم فإنّهم لو فرّقوهم في أطراف البلاد لم يغنهم ذلك التفريق عن لحوق قدر اللَّه لهم ولم يمنعهم من نزوله بجميعهم بما يراد لهم من الابتلاء بدولة بنى أُميّة