ابن ميثم البحراني

338

شرح نهج البلاغة

إنكارهم للمنكر فهل يجوز قتل من لم ينكر المنكر قلت : أجاب الشارح عبد الحميد بن أبي الحديد عنه . فقال : إنّه تجوّز قتلهم لأنّهم اعتقدوا ذلك القتل مباحا مع أنّه ممّا حرّمه اللَّه فجرى ذلك مجرى اعتقادهم لإباحة الزنا وشرب الخمر . وأجاب القطب الراونديّ بأنّ جواز قتلهم لدخولهم في عموم قوله تعالى « إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ الله ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا » ( 1 ) الآية وإنّ هؤلاء القوم قد حاربوا رسول اللَّه لقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : حربك يا عليّ حربي ، وسعوا في الأرض بالفساد ، واعترض المجيب الأوّل عليه . فقال : الإشكال إنّما هو في تحليله لقتل الجيش المذكور لكونه لم ينكر على من قتل رجلا واحدا من المسلمين فالتعليل بعدم إنكار المنكر لا بعموم الآية . وأقول : الجواب الثاني أسدّ ، والأوّل ضعيف . لأنّ القتل وإن وجب على من اعتقد إباحة ما علم تحريمه من الدين ضرورة كشرب الخمر والزنا فلم قلت إنّه يجب على من اعتقد إباحة ما علم تحريمه من الدين بالتأويل كقتل هؤلاء القوم لمن قتلوا وخروجهم لما خرجوا له فإنّ جميع ما فعلوه كان بتأويل لهم وإن كان معلوم الفساد . فظهر الفرق بين اعتقاد حلّ الخمر والزنا وبين اعتقاد هؤلاء لإباحة ما فعلوه ، وأمّا الاعتراض على الجواب الثاني فضعيف أيضا . لأنّ له أن يقول : إنّ قتل المسلم الَّذي لا ذنب له عمدا إذا صدر من بعض الجيش ولم ينكر الباقون مع تمكَّنهم وحضورهم كان ذلك قرينة دالَّة على الرضا من جميعهم ، والراضي بالقتل شريك القاتل خصوصا إذا كان معروفا بصحبته والاتّحاد به كاتّحاد بعض الجيش ببعض . فكان خروج ذلك الجيش على الإمام العادل محاربة للَّه ورسوله ، وقتلهم لعامله وخزّان بيت مال المسلمين ونهبهم له وتفريق كلمة أهل المصر وفساد نظامهم سعى في الأرض بالفساد ، وذلك عين مقتضى الآية . وقوله : دع . إلى آخره .

--> ( 1 ) 5 - 37 .