ابن ميثم البحراني
329
شرح نهج البلاغة
البغي وهو العبور إلى طرف الإفراط من فضيلة العدل ثمّ التسديد والاستقامة على فضيلة العدل وهو الحقّ ، وعلى تقدير إظهار عدوّه عليه الشهادة والعصمة من فتنة الغبن والانقهار فإنّ المغلوب إذا كان معتقدا أنّه على الحقّ قلَّما يسلم من التسخّط على البخت والتعتّب على ربّه ، وربّما كفر كثير من الناس عند نزول البلاء بهم . وظاهر كونه فتنة : أي صارفا عن اللَّه . واعتصم عليه السّلام من تلك الفتنة وأمثالها استثباتا لنفسه على الحقّ وتأديبا للسامعين . ثمّ أخذ فيما العادة أن يستحمى به الإنسان أصحابه في الحرب ، ويستثير به طباعهم : من الاستفهام عن حامى الذمار ، والَّذي تصيبه الغيرة من أهل المحافظة عند نزول الحقائق : أي عظائم الأمور وشدائدها . ثمّ قال : النار ورائكم : أي إنّ رجوعكم القهقرى هربا من العدوّ مستلزم لدخولكم النار واستحقاقكم لها ، والجنّة أمامكم : أي في إقدامكم على العدوّ والتقدّم إلى مناجزته ، وهو كلام في غاية الوجازة والبلاغة . 171 - ومن خطبة له عليه السّلام الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا تُوَارِي عَنْهُ سَمَاءٌ سَمَاءً - ولَا أَرْضٌ أَرْضاً أقول : حمد اللَّه تعالى باعتبار إحاطة علمه بالسماوات والأرضين ، واستلزم ذلك تنزيهه تعالى عن وصف المخلوقين . إذ كانوا في إدراكهم لبعض الأجرام السماويّة والأرضيّة محجوبين عمّا ورائها ، وعلمه تعالى هو المحيط بالكلّ الَّذي لا يحجبه السواتر ولا تخفى عليه السرائر . منها : وقَدْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّكَ عَلَى هَذَا الأَمْرِ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ لَحَرِيصٌ - فَقُلْتُ بَلْ أَنْتُمْ واللَّهِ لأَحْرَصُ وأَبْعَدُ وأَنَا أَخَصُّ وأَقْرَبُ - وإِنَّمَا طَلَبْتُ حَقّاً لِي وأَنْتُمْ تَحُولُونَ بَيْنِي وبَيْنَهُ - وتَضْرِبُونَ وَجْهِي دُونَهُ - فَلَمَّا قَرَّعْتُهُ بِالْحُجَّةِ فِي الْمَلأِ الْحَاضِرِينَ - هَبَّ كَأَنَّهُ بُهِتَ لَا يَدْرِي مَا يُجِيبُنِي بِهِ