ابن ميثم البحراني
315
شرح نهج البلاغة
وهو الموضع الَّذي تفرخ فيه النعامة . وقد أمر عليه السّلام صغيرهم بالتأسّي بكبيرهم لأنّ الكبير أكثر تجربة وعلما وأكيس وأحزم فكان بالقدوة أولى ، وأمر كبيرهم أن يرؤف بصغيرهم لأنّ الصغير بمظنّة الضعف وأهل لأن يرحم ويعذر لقلَّة عقليّته للأمور ، وإنّما بدء بأمر الصغير لأنّه أحوج إلى التأديب . والغاية من هذا الأمر انتظام أمورهم وحصول ألفتهم بما أمرهم به . ثمّ نهاهم أن يشبهوا جفاة الجاهليّة في عدم تفقّههم في الدين وعدم عقليّتهم لأوامر اللَّه فيشبهون إذن ببيض الأفاعي في أعشاشها ، ووجه الشبه أنّها إن كسرها كاسر أثم لتأذّى الحيوان به ، وقيل : لأنّه يظنّ القطا فيأثم كاسره وإن لم يكسر يخرج حضانها شرّا إذ تخرج أفعى قاتلا فكذلك هؤلاء إذا أشبهوا جفاة الجاهليّة لا يحلّ لأحد أذاهم وإهانتهم لحرمة ظاهر الإسلام عليهم وإن أهملوا وتركوا على ما هم عليه من الجهل وقلَّة الأدب خرجوا شياطين . وباللَّه التوفيق . ومنه : افْتَرَقُوا بَعْدَ أُلْفَتِهِمْ وتَشَتَّتُوا عَنْ أَصْلِهِمْ - فَمِنْهُمْ آخِذٌ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ مَالَ مَعَهُ - عَلَى أَنَّ اللَّهً تَعَالَى سَيَجْمَعُهُمْ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ - كَمَا تَجْتَمِعُ قَزَعُ الْخَرِيفِ - يُؤَلِّفُ اللَّهُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَجْمَعُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ - ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ لَهُمْ أَبْوَاباً - يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ - حَيْثُ لَمْ تَسْلَمْ عَلَيْهِ قَارَةٌ - ولَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ أَكَمَةٌ - ولَمْ يَرُدَّ سَنَنَهُ رَصُّ طَوْدٍ ولَا حِدَابُ أَرْضٍ - يُذَعْذِعُهُمُ اللَّهُ فِي بُطُونِ أَوْدِيَتِهِ - ثُمَّ يَسْلُكُهُمْ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ - يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ - ويُمَكِّنُ لِقَوْمٍ فِي دِيَارِ قَوْمٍ - وأيْمُ اللَّهِ لَيَذُوبَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ الْعُلُوِّ والتَّمْكِينِ - كَمَا تَذُوبُ الأَلْيَةُ عَلَى النَّارِ