ابن ميثم البحراني
279
شرح نهج البلاغة
لَهُ كَاذِباً - أَوْ تَكُونَ لَا تَرَاهُ لِلرَّجَاءِ مَوْضِعاً - وكَذَلِكَ إِنْ هُوَ خَافَ عَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ - أَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهِ مَا لَا يُعْطِي رَبَّهُ - فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ الْعِبَادِ نَقْداً - وخَوْفَهُ مِنْ خَالِقِهِ ضِمَاراً ووَعْداً - وكَذَلِكَ مَنْ عَظُمَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ - وكَبُرَ مَوْقِعُهَا مِنْ قَلْبِهِ آثَرَهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى - فَانْقَطَعَ إِلَيْهَا وصَارَ عَبْداً لَهَا ولَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وآله وسلّم كَافٍ لَكَ فِي الأُسْوَةِ - ودَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمِّ الدُّنْيَا وعَيْبِهَا - وكَثْرَةِ مَخَازِيهَا ومَسَاوِيهَا - إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا ووُطِّئَتْ لِغَيْرِهِ أَكْنَافُهَا - وفُطِمَ عَنْ رَضَاعِهَا وزُوِيَ عَنْ زَخَارِفِهَا - وإِنْ شِئْتَ ثَنَّيْتُ بِمُوسَى كَلِيمِ اللَّهِ صلّى الله عليه وآله وسلّم إِذْ يَقُولُ : ( رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) واللَّهِ مَا سَأَلَهُ إِلَّا خُبْزاً يَأْكُلُهُ - لأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الأَرْضِ - ولَقَدْ كَانَتْ خُضْرَةُ الْبَقْلِ تُرَى مِنْ شَفِيفِ صِفَاقِ بَطْنِهِ - لِهُزَالِهِ وتَشَذُّبِ لَحْمِهِ وإِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوُدَ صلّى الله عليه وآله وسلّم صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ - وقَارِئِ أَهْلِ الْجَنَّةِ - فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ الْخُوصِ بِيَدِهِ - ويَقُولُ لِجُلَسَائِهِ أَيُّكُمْ يَكْفِينِي بَيْعَهَا - ويَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا وإِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عليه السّلام - فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ - ويَلْبَسُ الْخَشِنَ ويَأْكُلُ الْجَشِبَ - وكَانَ إِدَامُهُ الْجُوعَ وسِرَاجُهُ بِاللَّيْلِ الْقَمَرَ - وظِلَالُهُ