ابن ميثم البحراني
280
شرح نهج البلاغة
فِي الشِّتَاءِ مَشَارِقَ الأَرْضِ ومَغَارِبَهَا - وفَاكِهَتُهُ ورَيْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ الأَرْضُ لِلْبَهَائِمِ - ولَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهُ ولَا وَلَدٌ يَحْزُنُهُ - ولَا مَالٌ يَلْفِتُهُ ولَا طَمَعٌ يُذِلُّهُ - دَابَّتُهُ رِجْلَاهُ وخَادِمُهُ يَدَاهُ فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الأَطْيَبِ الأَطْهَرِ صلّى الله عليه وآله وسلّم - فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّى وعَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى - وأَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ الْمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ - والْمُقْتَصُّ لأَثَرِهِ - قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً ولَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً - أَهْضَمُ أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً - وأَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْيَا بَطْناً - عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا - وعَلِمَ أَنَّ اللَّهً سُبْحَانَهُ أَبْغَضَ شَيْئاً فَأَبْغَضَهُ - وحَقَّرَ شَيْئاً فَحَقَّرَهُ وصَغَّرَ شَيْئاً فَصَغَّرَهُ - ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إِلَّا حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللَّهُ ورَسُولُهُ - وتَعْظِيمُنَا مَا صَغَّرَ اللَّهُ ورَسُولُهُ - لَكَفَى بِهِ شِقَاقاً لِلَّهِ ومُحَادَّةً عَنْ أَمْرِ اللَّهِ - ولَقَدْ كَانَ صلّى الله عليه وآله وسلّم يَأْكُلُ عَلَى الأَرْضِ - ويَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ ويَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ - ويَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ ويَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ - ويُرْدِفُ خَلْفَهُ - ويَكُونُ السِّتْرُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ فَتَكُونُ فِيهِ التَّصَاوِيرُ فَيَقُولُ - يَا فُلَانَةُ لإِحْدَى أَزْوَاجِهِ غَيِّبِيهِ عَنِّي - فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا وزَخَارِفَهَا - فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ وأَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ - وأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ - لِكَيْلَا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً