ابن ميثم البحراني

27

شرح نهج البلاغة

في يد غيرهم من أعدائهم . وذلك ظاهر الصدق بانتقالها إلى بنى عبّاس ، ثمّ شرع بعده في التنبيه على الفكر في تحصيل السعادة الباقية والخير الدائم وعلى قبول الوعظ والتذكَّر فأشار إلى أنّه أبصر الأبصار ما نفذ في الخير طرفه ، وأسمع الأسماع ما وعى التذكير فقبله ، وأراد بطرف البصر العقل وسمعه استعارة ، أو حسّ البصر والسمع على معنى أنّ أفضل إبصار البصر وسماع السمع ما عاد على المبصر والسامع بالفائدة المطلوبة منهما وهي تحصيل الكمالات النفسانيّة من العلوم والأخلاق ، ولمّا قدّم ذلك أمام مقصوده أيّه بالناس بعده إلى قبول قوله والاستصباح بنوره ، واستعار لنفسه لفظ المصباح ، ورشّح بذكر الشعلة والاستصباح ، واستعار لفظ العين ورشّح بذكر الصفو والترويق والمتح ، ووجه الاستعارة الأولى كونه مقتدى به كالمصباح ، ووجه الثانية كون المستفاد منه مادّة الحياة الأبديّة كما أنّ ماء العين مادّة الحياة الدنيويّة وكنّى بترويقها من الكدر عن رسوخه فيما علم بحيث لا يتطرّق إليه فيه شبهة تكدر يقينه ، وهو أمر لهم بالاهتداء به وأخذ العلوم والأخلاق عنه . ثمّ لمّا أمر بأخذهما عنه أردفه بالنهى عن الجهل والركون إليه ثمّ عن الانقياد للأهواء الباطلة المخرجة عن كرائم الأخلاق إلى رذائلها وعن حقّ المصالح إلى باطلها . وقوله : فإنّ النازل بهذا المنزل . أراد المنزل المشير المدّعى للنصيحة لهم عن جهل منه بوجوه المصالح وذلك أنّه عليه السّلام كان يرى الرأي الصالح ، ويشير عليهم به فإذا خلا بعضهم إلى بعض فما كان من ذلك فيه مشقّة عليهم من جهاد أو مواظبة على عمل شاقّ أشار منافقوهم المبغضون المدّعون لأهليّتهم لمقامه بعكس ما رأى فيه وأشار به ردّ وهم عنه إلى ما يوافق أهوائهم ويلائم طباعهم إفسادا في الدين ، وأشار عليه السّلام إلى ما نزّل نفسه منزلة المشير الناصح مع أنّ كلّ ما يشير به عن هوى متّبع وجهل فهو على شفا جرف هار ، واستعار لفظ الجرف للآراء الفاسدة الصادرة فإنّها لم تبن على نظام العقل ولم ترخّص فيه الشريعة فكانت منهارة لا يبنى عليها إلَّا ما كان بصدد أن ينهار ، وكأنّ المشير بها واقف على شفا جرف هار منها ينهار به في نار جهنّم أو في الهلاك الحاضر .