ابن ميثم البحراني

28

شرح نهج البلاغة

يقال لمن فعل فعلا على غير أصل أو يتوقّع له منه عقوبة مثلا : إنّه على شفا جرف هار ، ونحوه قوله تعالى « أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ » ( 1 ) الآية . وقوله : ينقل الردى على ظهره من موضع . لمّا كان الردى هو الهلاك وكان الرأي الفاسد يستلزم الهلاك للمشار عليه وللمشير كان المشير على الخلق به عن هوى كالناقل للهلاك من شخص إلى غيره والمقسّم له على من يشير عليهم به . وهو في معرض التنفير عنه . وقوله : لرأى يحدثه بعد رأى يريد أن يلصق ما لا يلتصق . ذكر غاية تنقّله من موضع إلى آخر فإنّ نقله للردى يستلزم أن ينقله ، وروى : ولرأى بالواو . وعلى هذا يكون كلاما مستأنفا ، والتقدير أنّ بسبب رأى يحدثه يريد إلصاق ما لا يلتصق . واستعار لفظ اللصق للصلح : أي يريد أن يصلح بينكم وبين أعدائكم وذلك أمر لا ينصلح ، ووجه المشابهة كون الخصمين في طرفين يجمعهما الصالح ويوجب لهما الاتّحاد كما يجمع اللصاق بين الملتصقين ، ويحتمل أن يريد أن يلصق بكم من الآراء الفاسدة ما لا ينبغي أن يلتصق بكم ، وكذلك قوله : ويقرّب ما لا يتقارب ويقرّب عليكم ما بينكم وبينهم من البعد والافتراق وذلك أمر لا يتقارب . ويفهم من هذا أنّ من كان ينهاهم عن الركون إلى استشارته كان يخذلهم عن الحرب بذكر الصلح بينهم وبين معاوية والدخول فيه . ثمّ حذّرهم اللَّه وعقابه في أن يشكوا إلى من لا يشتكى حزنهم ، وذل أنّ المشتكى إليه والمستشار إذا لم يساهم الشاكي همّه لم يكن أهلا للرأي في مثل ذلك الأمر المشكوك وإن كان معروفا بجودة الرأي ، وسرّ ذلك أنّ الاهتمام بالأمر يبعث رائد الفكر على الاستقصاء في تفتيش وجوه الآراء الصالحة فيه فيكون بصدد أن يستخرج منها أصلحها وأنفعها وإن كان دون غيره في جودة الرأي بخلاف الخلىّ العديم الباعث على طلب الأصلح . وأردفهم بنهيهم عن أن ينقض برأيه الفاسد ما قد أبرمه هو عليه السّلام لهم من الرأي الصائب في التجرّد للحرب . ثمّ أردفه ببيان ما يجب على الإمام ممّا

--> ( 1 ) 9 - 110 .