ابن ميثم البحراني

257

شرح نهج البلاغة

العضو الباصر منها طلبا لبدل ما يتحلَّل فيستكمل البدل بقرب الليل لمكان برده وضعف حرارة النهار فيعود الإبصار ، ووصفه عليه السّلام بهذه الخاصيّة منها وكيفيّة حالها فيها إلى قوله : ظلم لياليها . وصف لا مزيد على فصاحته . وقوله : وتتّصل بعلانية برهان الشمس إلى معارفها . في غاية الفصاحة . ومعارفها ما تعرفه من مذاهبها ووجوه تصرّفاتها ، وتتّصل عطف على قوله : تستمدّ ، وأمّا إسدالها لجفونها على حداقها فلأنّ تحلَّل الروح الحامل للقوّة الباصرة سبب للنوم أيضا فيكون ذلك الإسدال ضربا من النوم وكثيرا ما يلحق كثيرا من الحيوان وسببه ما ذكرناه ، واستعار لفظ القناع للشمس ملاحظة لشبهها بالمرأة ذات القناع ، وكنّى بإلقائه عن بروزها من حجاب الأرض . ثمّ ثنّى بتسبيح اللَّه وتعظيمه باعتبار أمر آخر لها على سبيل التعجّب وهو خلق أجنحتها من لحم بلا ريش ولا قصب كساير أجنحة الطير بل من عروق ورقّ تبسطه وتقبضه على مفاصل مخصوصة من غير رقّة توجب له الانشقاق عند الطيران ، ولا غلظ يوجب له الثقل . ثمّ ثلَّث بعجيب حالها مع ولدها ، وذلك أنّه يلصق بها فيرتضعها ولا يفارقها في حالتي وقوعها وطيرانها حتّى يشتدّ ويمكنه الطيران والتصرّف بنفسه ، وذلك أمر يخالف به أيضا ساير الحيوان وهو محلّ التعجّب . ثمّ ختم الفصل بتسبيح اللَّه تعالى باعتبار خلقه لكلّ شيء من غير مثال سبق من غيره ، ومن الأمثال العامّة : قيل للخفّاش : لما ذا لا جناح لك قالت : لأنّي تصوير مخلوق . قيل : فلما ذا لا تخرج نهارا قال : حياء من الطيور . يريدون أنّ المسيح عليه السّلام صوّره . وإنّ إليه الإشارة بقوله تعالى « إِذْ قالَ الله يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ » ( 1 ) وفي الطير عجائب لا تهتدي لها العقول بل وفي كلّ ذرّة من ذرّات مبدعاته ومكوّناته لطائف وأسرار كالنحل والبعوض والنمل تعجز عن إدراكها واستقصاء أوصافها ألباب الألبّاء وحكمة الحكماء فسبحانه ما أعظم شأنه وأبهر برهانه .

--> ( 1 ) 5 - 110