ابن ميثم البحراني

208

شرح نهج البلاغة

وأَوْقِدُوا هَذَيْنِ الْمِصْبَاحَيْنِ - وخَلَاكُمْ ذَمٌّ مَا لَمْ تَشْرُدُوا - حُمِّلَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ مَجْهُودَهُ - وخُفِّفَ عَنِ الْجَهَلَةِ - رَبٌّ رَحِيمٌ ودِينٌ قَوِيمٌ وإِمَامٌ عَلِيمٌ - أَنَا بِالأَمْسِ صَاحِبُكُمْ - وأَنَا الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ وغَداً مُفَارِقُكُمْ - غَفَرَ اللَّهُ لِي ولَكُمْ - إِنْ تَثْبُتِ الْوَطْأَةُ فِي هَذِهِ الْمَزَلَّةِ فَذَاكَ - وإِنْ تَدْحَضِ الْقَدَمُ فَإِنَّا كُنَّا فِي أَفْيَاءِ أَغْصَانٍ - ومَهَبِّ رِيَاحٍ وتَحْتَ ظِلِّ غَمَامٍ - اضْمَحَلَّ فِي الْجَوِّ مُتَلَفَّقُهَا وعَفَا فِي الأَرْضِ مَخَطُّهَا - وإِنَّمَا كُنْتُ جَاراً جَاوَرَكُمْ بَدَنِي أَيَّاماً - وسَتُعْقَبُونَ مِنِّي جُثَّةً خَلَاءً - سَاكِنَةً بَعْدَ حَرَاكٍ وصَامِتَةً بَعْدَ نُطُوقٍ - لِيَعِظْكُمْ هُدُوِّي وخُفُوتُ إِطْرَاقِي وسُكُونُ أَطْرَافِي - فَإِنَّهُ أَوْعَظُ لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنَ الْمَنْطِقِ الْبَلِيغِ - والْقَوْلِ الْمَسْمُوعِ - وَدَاعِي لَكُمْ وَدَاعُ امْرِئٍ مُرْصِدٍ لِلتَّلَاقِي - غَداً تَرَوْنَ أَيَّامِي ويُكْشَفُ لَكُمْ عَنْ سَرَائِرِي - وتَعْرِفُونَنِي بَعْدَ خُلُوِّ مَكَانِي وقِيَامِ غَيْرِي مَقَامِي أقول : أطردت الأيّام : صيّرتها طريدة لي . وشرد الجمل : ذهب لوجهه . ودحضت القدم : زلفت . واضمحلّ : فنى . والمخطَّ : الأثر . وهذا الفصل محلّ الوعظ والاعتبار . فأيّه بالناس ونبّههم على لحوق ضرورة الموت المنفور منه طبعا . وأحسن بقوله : في فراره . فإنّه لمّا كان الإنسان دائما فارّا من الموت ومتوقيّا له ، وكان لابدّ منه . لا جرم كان ضروريّ اللقاء له في فراره . والأجل قد يراد به غاية الحياة الدنيا كما قال تعالى « فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ » ( 1 ) وقد يراد به المدّة المضروبة للإنسان وهى مدّة عمره ، وإيّاه عنى هاهنا بقوله :

--> ( 1 ) 7 - 32 .