ابن ميثم البحراني
209
شرح نهج البلاغة
والأجل مساق النفس فإنّ مدّة بقائها في هذا البدن هو مساقها إلى غايتها لا محلّ قرارها . وقوله : والهرب منه موافاته . في غاية اللطف ، وذلك أنّ الفارّ من الموت مثلا بالحركات والعلاجات ونحوها يستلزم حركاته في ذلك فناء الأوقات وتصرّمها وقطع تلك الأوقات مستلزم لملاقاته وموافاته فأطلق لفظ الموافاة على الهرب مجازا إطلاقا لاسم اللازم على ملزومه . وقوله : كم أطردت الأيّام . أي صيّرتها طريدة لي أتّبع بعضها بعضا بالبحث وتعرّف مكنون هذا الأمر : أي الَّذي وقع له من القتل ، وذلك المكنون هو وقته المعيّن بالتفصيل ومكانه فإنّ ذلك ممّا استأثر اللَّه تعالى بعلمه كقوله تعالى « إِنَّ الله عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ » وقوله « إِنَّ الله عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ويُنَزِّلُ » ( 1 ) وإن كان قد أخبره الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بكيفيّة قتله مجملا كما روى عنه أنّه قال : ستضرب على هذه - وأشار إلى هامّته - فيخضب منها هذه - وأشار إلى لحيته - . وعنه أنّه قال : أتعلم من أشقى الأوّلين قال : نعم عاقر الناقة . فقال له : أتعلم من أشقى الآخرين قال : لا . قال : من يضربك هاهنا فيخضب هذه . وأمّا بحثه هو فعن تفصيل الوقت والمكان ونحوهما من القرائن المشخّصه ، وذلك البحث إمّا بالسؤال من الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم مدّة حياته وكتمانه إيّاه أو بالفحص والتفرّس من قرائن أحواله في سائر أوقاته مع الناس . فأبى اللَّه إلَّا أن تخفى عنه تلك الحال . هيهات : أي بعد ذلك العلم فهو علم مخزون . ثمّ شرع في الوصيّة فبدء بالأهمّ فالأهمّ فالأوّل : هو الإخلاص للَّه بالإعراض عن كلّ ما سواه ، وفي ذلك لزوم أوامره ونواهيه وسائر ما نطق به كتابه العزيز . الثاني : لزوم سنّة محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وعدم إهمالها . وإنّما قدّم اسم اللَّه على محمّد لما بيّنا أنّ الواجب في علم البيان تقديم الأهمّ . ثمّ أكَّد القول في الأمر باتّباع التوحيد المطلق والسنّة النبويّة ، واستعار لهما لفظ العمودين ورشّح بذكر الإقامة ، ولفظ المصباحين ورشّح بذكر
--> ( 1 ) 31 - 34 .