ابن ميثم البحراني

200

شرح نهج البلاغة

فبعث . إلى قوله : بالحقّ ، وأشار إلى غايتها بقوله : ليخرج إلى قوله : طاعته . وقد علمت أنّ طاعته بسلوك الصراط المستقيم في الدنيا وهو اتّباع الدين القيّم ، والعدول عن طاعة الشيطان الَّتي هي بالخروج إلى أحد طرفي الإفراط والتفريط . فأشار إلى سبب تلك الغاية بقوله : بقرآن قد بيّنه وأحكمه . وقد علمت اشتمال القرآن الكريم على الجواذب الإلهيّة إلى طاعة اللَّه ، وسلوك صراطه المستقيم ، وأشار إلى غاية تلك الغاية أعني غاية طاعة اللَّه بقوله : ليعلم العباد . إلى قوله : أنكروه . وهي مسئلتان من أُمّهات العلم الإلهيّ : الُأولى : معرفتهم له بعد جهلهم به . والثانية : الإقرار به بعد جحدهم له وإثباتهم له بعد إنكارهم إيّاه . والمعنى واحد وإن اختلفت العبارتان وهو التصديق بودّه إلَّا أن يحمل الإقرار على الإقرار باللسان والجحد به ، ويحمل الإثبات والإنكار على إثباته بالقلب بعد الإنكار به وحينئذ يتغاير المعنيان ، وأشار بتجلَّيه - سبحانه - في كتابه إلى ظهوره لهم في تذكيرهم فيه بما أراهم من عجائب مصنوعاته ، وبما خوّفهم به من وعيده ، وبتذكيرهم أنّه كيف محق من محق من القرون الماضية بالعقوبات واحتصد من احتصد منهم بالنقمات . كلّ ذلك الظهور والجلاء من غير رؤية له . إذ تعالى عن إدراك الحواسّ . وقال بعض الفضلاء : يحتمل أن يريد بتجلَّيه في كتابه ظهوره في عجائب مصنوعاته ومكنوناته ، ويكون لفظ الكتاب استعارة في العلم ، ووجه المشابهة كونه محلَّا قابلا لآثار الصنع المختلفة وعجائب الصور المنقوشة فيه كما أنّ الكتاب محلّ لنقش الحروف كلّ ذلك من غير رؤية بحاسّة البصر له لتعاليه وتقدّسه عن ذلك . وقوله : سيأتي . إلى قوله : المنكر . إخبار عن زمان يأتي بعده بالصفات المذكورة ، وقد رأيناه ورأته قرون قبلنا فإنّ خفاء الحقّ وظهور الباطل عليه أمر ظاهر ، وكون الحقّ لا شيء أخفى منه والباطل لا شيء أظهر على سبيل المبالغة ، وكذلك لا أكثر من الكذب على اللَّه وعلى رسوله . روى عن شعبة وكان إمام المحدّثين أنّه قال : تسعة أعشار الحديث كذب .