ابن ميثم البحراني

185

شرح نهج البلاغة

يفعل ما يفعل من نقص الثمرات وحبس البركات وإغلاق خزائن الخيرات عن الخلق عند أعمالهم السيّئة ابتلاء لهم كقوله تعالى « ولَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ والْجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأَمْوالِ والأَنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ » ( 1 ) وقد علمت معنى ابتلائه لهم . ثمّ بيّن أنّ غاية العناية الإلهيّة من ذلك الابتلاء رفع حجب النفوس الَّتي هي الذنوب والمعاصي واستعدادها بذلك لقبول رحمة اللَّه بالتوبة والإقلاع منها والازدجار عنها والتذكَّر للمبدأ الأوّل - جلَّت عظمته - وما أعدّ لأوليائه الأبرار في دار القرار ولأعدائه الأشرار في دار البوار . ثمّ بيّن لهم أنّ اللَّه سبحانه جعل الاستغفار سببا لدرور الرزق والرحمة ، ولمّا كان الاستغفار هو طلب غفر الذنوب وسترها على العبد أن يفتضح بها وذلك إنّما يكون بمحوها من لوح نفسه لا جرم كان المستغفر المخلص ماحيا لخطيئته باستغفاره عن لوح نفسه وبذلك يكمل استعداده لإفاضة رحمة اللَّه عليه في الدنيا بإنزال البركات وفي الآخرة برفع الدرجات ، وإلى ذلك الإشارة بالشاهد العدل قوله تعالى « فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً » ( 2 ) الآيات ، وقوله تعالى « ولَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأَرْضِ » ( 3 ) الآية ، وقوله « ولَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ والإِنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ ومِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ » ( 4 ) وقوله : « وأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً » ( 5 ) ثمّ دعا لمن استقبل توبته وشرع في الاستعداد بها ، ولمن استقال خطيئته : أي طلب الإقالة من الإلزام بعاقبتها وثمرتها وهو العقاب عليها والمؤاخذة بها ، ولمن واثب منيّته وعاجلها قبل إدراكها له بالتوبة . كلّ ذلك تنبيه على الاستعداد وطلب له منهم . إذ كان لا يتمّ المطلوب بدونه ، ولفظ الإقالة استعارة ، ووجهها أنّ المخطئ كالمعاهد والملتزم لعقاب أُخرويّ بلذّة عاجلة لما علم استلزام تلك اللذّة المنهيّ عنها للعقاب فهو يطلب للإقالة من هذه المعاهدة [ المعاصي - خ - ] كما يطلب المشترى الإقالة من البيع .

--> ( 1 ) 2 - 151 . ( 2 ) 71 - 9 . ( 3 ) 7 - 94 . ( 4 ) 5 - 71 . ( 5 ) 72 - 16 .