ابن ميثم البحراني
174
شرح نهج البلاغة
فإن قلت : إنّ قوله : تؤوب . يدلّ على أنّ انقطاع تلك الدولة بظهور العرب وعود عوازب أحلامها ، وعبد الملك مات وقامت بنوه بعده بالدولة ، ولم يزل الملك عنه بظهور العرب فأين فايدة الغاية ؟ قلت : إنّ تلك الغاية ليست غاية لدولة عبد الملك بل غاية من كونهم لا يزالون مشرّدين في البلاد ، وذلك الانقهار وإن كان أصله من عبد الملك إلَّا أنّه استمرّ في زمن أولاده إلى حين انقضاء دولتهم فكانت غايته ما ذكر ، وقال بعض الشارحين في الجواب : إنّ ملك أولاده ملكه وما زال الملك عن بنى مروان حتّى آبت إلى العرب عوازب أحلامها . وهذا جواب من لم يتدبّر كلامه عليه السّلام ، ولم يتتبّع ألفاظ الفصل حتّى يعلم أنّ هذه الغاية لأيّ شيء منه فيلحقها به . ثمّ أمرهم بلزوم سنن اللَّه ورسوله القائمة فيهم من بعده وآثاره البيّنة فيهم وعهده القريب بينهم وبينه . ووجّه عليهم ذلك الأمر في الحال وعند نزول تلك الشدائد بهم : أي إذا نزل بكم منه ما وصف فلتكن وظيفتكم لزوم ما ذكرت . ثمّ نبّههم على ما في سهولة المعاصي وفي تسهيل نفوسهم الأمّارة بالسوء عليهم طرق المحارم من المحذور وهو أن تنقاد لها النفوس العاقلة فتضلَّها عن سبيل اللَّه ويقودها الضلال إلى الهلاك الأُخرويّ . وباللَّه التوفيق . 138 - ومن كلام له عليه السّلام في وقت الشورى لَنْ يُسْرِعَ أَحَدٌ قَبْلِي إِلَى دَعْوَةِ حَقٍّ - وصِلَةِ رَحِمٍ وعَائِدَةِ كَرَمٍ - فَاسْمَعُوا قَوْلِي وعُوا مَنْطِقِي - عَسَى أَنْ تَرَوْا هَذَا الأَمْرَ مِنْ بَعْدِ هَذَا الْيَوْمِ - تُنْتَضَى فِيهِ السُّيُوفُ وتُخَانُ فِيهِ الْعُهُودُ - حَتَّى يَكُونَ بَعْضُكُمْ أَئِمَّةً لأَهْلِ الضَّلَالَةِ - وشِيعَةً لأَهْلِ الْجَهَالَةِ أقول : هذا من جملة كلام قاله عليه السّلام لأهل الشورى ، وقد ذكرنا طرفا من أخبارها .