ابن ميثم البحراني

173

شرح نهج البلاغة

الأولى : أطلق لفظ النعيق لظهور أوامره ودعوته بالشام مجازا ، وكذلك استعار لفظ الفحص لقلبه أهل الكوفة بعضهم على بعض ونقصه لحالاتهم الَّتي كانوا عليها . ثمّ شبّه عطفه وحمله عليها بعطف الناقة الضروس ، ووجه التشبيه شدّة الغضب والحنق والأذى الحاصل منها . الثانية : فرشه الأرض بالرؤس كناية عن كثرة قتلة فيها ، وذلك ممّا يشهد به التواريخ . وفغر : فيه استعارة ببعض أوصاف السبع الضاري كنّى به عن شدّة إقدامه على القتل وإقباله على الناس بشدّة الغضب والأذى ، وكذلك ثقل وطأته في الأرض كناية عن شدّة بأسه وتمكَّنه في الأرض . الثالثة : بعد جولته كناية عن اتّساع ملكه وجولان خيله ورجله في البلاد البعيدة ، وبعيد وعظيم حالان ، ومن روى بالرفع فهما خبرا مبتدأ محذوف . الرابعة : لمّا فرغ من صفاته العامّة بيّن لهم ما سيفعله معهم من التشريد والطرد في أطراف البلاد ، وأكَّد ذلك بالقسم البارّ ، وذلك إشارة إلى ما فعله عبد الملك ومن ولى الأمر من ولده في باقي الصحابة والتابعين ، وأحوالهم معهم في الانتقاض والاحتقار والطرد والقتل ظاهرة ، وشبّه البقيّة منهم بالغبار الَّذي يكون في العين من الكحل ، ووجه التشبيه الاشتراك في القلَّة . الخامسة : أخبر أنّهم لا يزالون كذلك : أي بالحال الموصوفة مع عبد الملك ومن بعده من أولاده حتّى تعود إلى العرب عوازب أحلامها : أي ما كان ذهب من عقولها العمليّة في نظام أحوالهم ، والعرب هم بنو العبّاس ومن معهم من العرب أيّام ظهور الدولة كقحطبة بن شبيب الطائيّ وابنيه حميد والحسن ، وكبني زريق أبى طاهر بن الحسين وإسحاق بن إبراهيم المصعبيّ ومن في عدادهم من خزاعة وغيرهم من العرب من شيعة بنى العبّاس . وقيل : إنّ أبا مسلم أصله عربيّ . وكلّ هؤلاء كانوا مستضعفين مقهورين مقمورين في دولة بنى أميّة لهم ينهض منهم ناهض إلى أن أفاء اللَّه تعالى عليهم ما كان عزب عنهم من حميّاتهم فغاروا للدين وللمسلمين من جور بنى مروان وأقاموا الأمر وأزالوا تلك الدولة .