ابن ميثم البحراني
151
شرح نهج البلاغة
فَاهْتَبِلُوا هَبَلَهَا - واعْمَلُوا لِلْجَنَّةِ عَمَلَهَا - فَإِنَّ الدُّنْيَا لَمْ تُخْلَقْ لَكُمْ دَارَ مُقَامٍ - بَلْ خُلِقَتْ لَكُمْ مَجَازاً - لِتَزَوَّدُوا مِنْهَا الأَعْمَالَ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ - فَكُونُوا مِنْهَا عَلَى أَوْفَازٍ - وقَرِّبُوا الظُّهُورَ لِلزِّيَالِ أقول : المشيد : المعلَّى . والاهتبال في الأمر : السعي في إحكامه ، وهبلها مصدر مضاف إلى ضمير التقوى مؤكَّد للفعل : أي أحكموها إحكاما . والأوفاز : جمع وفزة وهى العجلة ، والضمير في قوله : فإنّه . إمّا أن يرجع إلى مذكور سابق أو إلى معنى كلامه وهو التحذير والإنذار ، وكذلك الَّذي في قوله : وما هو إلَّا الموت . يحتمل أن يعود إلى ملفوظ به سابق ويحتمل أن يعود إلى المعنىّ بالتحذير منه والإنذار به : أي وما الَّذي أحذّركم هجومه عليكم إلَّا الموت ، وأسمع وأعجل محلَّهما النصب على الحال من معنى الإشارة . وقوله : فلا يغرّنّك إلى قوله : وأمن العواقب . أي فلا يغرّنّك من نفسك الأمّارة بالسوء وسوستها واستغفالها لك عن ملاحظة الموت برؤية سواد الناس : أي كثرتهم . إذ كثيرا ما يرى الإنسان الميّت محمولا فيتداركه من ذلك رقّة وروعة . ثمّ يعاوده الوسواس الخنّاس ويأمره باعتبار كثرة المشيّعين له من الناس وأن يجعل نفسه من الأحياء الكثيرين بملاحظة شبابه وصحّته ويأمره باعتبار أسباب موت ذلك الميّت من القتل وسائر الأمراض وباعتبار زوال تلك الأسباب في حقّ نفسه ، وبالجملة فيبعّد في اعتباره الموت بكلّ حيلة . فنهى السامعين عن الانخداع للنفس بهذه الخديعة ، وأسند الغرور إلى سواد الناس لأنّه مادّته . ثمّ نبّههم بقوله : وقد رأيت . إلى قوله : يستعتبون . على كذب تلك الخديعة مشاهدة ، والواو في قوله : وقد . واو الحال ، ومن في قوله : من جمع . بدل البعض من الكلّ من قوله : من كان قبلك . والمعنى أنّه كما نزل بأولئك الموت وأزعجهم عن أوطانهم فكذلك أنتم .