ابن ميثم البحراني
152
شرح نهج البلاغة
وقوله : طول أمل . نصب على المفعول له . أي فعلوا ذلك لأجل طول الأمل ، ويحتمل أن يكون مصدرا سدّ مسدّ الحال ، ويحتمل أن يكون ظرفا والعامل أمن ، وقيل : هو بدل من قوله : من كان قبلك : أي رأيت طول أمل من كان قبلك ، ويروى بطول أمل . وأعواد المنايا : النعوش ، ويتعاطى به الرجال الرجال : أي يسلَّمه الحاملون له بعضهم إلى بعض ، والخطاب بالكاف لنوع المخاطب أو لشخص على طريقة قولهم : إيّاك أعني واسمعي يا جارة . وقوله : أما رأيتم استفهام على سبيل التقرير ، وإنّما كانوا لا يستطيعون زيادة في حسنة ولا استعتابا من سيّئة لأنّ محلّ الأعمال هي الدنيا دون ما بعدها . وقوله : فمن أشعر التقوى قلبه . أي من اتّقى تقوى حقيقة برزت تؤدته : أي ظهرت عليه آثار الرحمة الإلهيّة في السكينة والوقار والحلم والأناة عن التسرّع إلى مطالب الدنيا ، وعلمت راحته في الآخرة ، وفاز عمله فيها بالجزاء الأوفى . ثمّ أمرهم بإحكام التقوى : أي أن تتّقوا اللَّه تقوى حقيقيّة فإنّها الَّتي يستحقّ بها الثواب الدائم ، وأن يعملوا للجنّة عملها الَّتي تستحقّ به . ثمّ نبّههم على وجوب العمل للجنّة بالتصريح بما لأجله خلقت الدنيا ، وأنّها لم تخلق دار إقامة بل طريقا يعبر بها إلى الآخرة كما يعبر المسافرون ، ويتزوّد منها الأعمال الصالحة الموصلة إلى الجنّة ، وأمرهم أن يكونوا فيها على سرعة في قطع عقباتها وعجل في الارتحال عنها لأنّ التأنّي فيها يستلزم الالتفات إلى لذّاتها والغفلة عن المقصد الحقّ ، واستعار لفظ الظهور وهى الركوب لمطايا الآخرة وهي الأعمال الصالحة ، وتقريبها للزيال هو العناية الإلهيّة بالأعمال المقرّبة إلى الآخرة المستلزمة للبعد عن الدنيا والإعراض عنها ومفارقتها . 132 - ومن خطبة له عليه السّلام وانْقَادَتْ لَهُ الدُّنْيَا والآخِرَةُ بِأَزِمَّتِهَا - وقَذَفَتْ إِلَيْهِ السَّمَاوَاتُ والأَرَضُونَ