ابن ميثم البحراني

138

شرح نهج البلاغة

عراض منتشرة الصدور ومفرّقات الأصابع فهي من عرضها لا يتبيّن لها طول فأشبهت أقدام النعام في بعض تلك الأوصاف ، ثمّ أخبر بالويل لمحالّ البصرة ودورها المزوّقة من أولئك ، واستعار لدورها لفظ الأجنحة ، وأراد بها القطانيّات الَّتي تعمل من الأخشاب والبواري بارزة عن السقوف كالوقاية للمشارف والحيطان عن آثار الأمطار وهى أشبه الأشياء في هيئتها وصورة وضعها بأجنحة كبار الطير كالنسور ، وكذلك استعار لفظ خراطيم الفيلة للميازيب الَّتي تعمل من الخوص على شكل خرطوم الفيل وتطلي بالقار يكون نحوا من خمسة أزرع أو أزيد تدلى من السطوح حفظا للحيطان من أذى السيل أيضا ، وهى أشبه الأشياء في صورتها بخراطيم الفيلة ، وأمّا وصفه لهم بأنّه لا يندب قتيلهم ولا يفتقد غايبهم . قال بعض الشارحين : ذلك وصف لهم بشدّة البأس والحرص على الحرب والقتال وأنّهم لا يبالون بالموت ولا يأسفون على من فقد منهم . وأقول : والأشبه أنّ ذلك لكونهم لا أصول لهم ولا أهل لأكثرهم من أُمّ أو أخت أو غير ذلك ممّن عادته أن ينوح ويندب قتيله ويفتقد غائبه لكون أكثرهم غرباء في البصرة فمن قتل منهم لا يكون له من يندبه ومن غاب لا يكون له من يفتقده . وقوله : أنا كابّ الدنيا لوجهها . إشارة إلى زهده فيها ، وتنبيه على فضيلته . يقال : كببت فلانا لوجهه إذا تركته وما التفت إليه ، وقادرها بقدرها : أي معامل لها بمقدارها ، ولمّا كان مقدارها حقيرا عنده كان التفاته إليها التفاتا حقيرا حسب ضرورة البقاء فيها ، وكذلك ناظرها بعينها : أي معتبرها بالعين الَّتي ينبغي أن تعتبر بها الدنيا من كونها غرّارة غدّارة حائلة إلى غير ذلك من أوصافها ، وأنّها مزرعة الآخرة وطريق إليها غير مطلوبة لذاتها . وباللَّه التوفيق . 127 - ومن كلام له عليه السّلام يؤمى به إلى وصف الأتراك