ابن ميثم البحراني
12
شرح نهج البلاغة
فيما سبق ، واستعار لفظ العضّ للفتنة ووجه المشابهة ما يستلزمانه من الشدّة والألم ، ورشّح تلك الاستعارة بذكر الأنياب ، وأبناء الفتنة أهلها ، وكذلك استعار لفظ الموج للحرب ، وكنّى به عن الاختلاط الواقع فيها من القتل والأهوال . وللأيّام لفظ الكلوح ، وكنّى به عن شدّة ما يلقى فيها من الشرّ كما يلقى من المعيس المكثر ، وكذلك لفظ الكدوح استعارة لما يلقى فيها من المصائب الشبيهة بها ، ولفظ الزرع استعارة لأعماله ولفظ الإيناع كناية عن بلوغه غاية أفعاله ولفظ الشقاشق والبروق استعارة لحركاته الهائلة وأقواله المخوفة تشبيها بالسحاب ذي الشقاشق والبروق . وقوله : عقدت رايات الفتن المعضلة . أي : أنّ هذه الفتنة إذا قامت أثارت فتنا كثيرة بعدها يكون فيها الهرج والمرج ، وشبّه تلك الفتن في إقبالها بالليل المظلم ، ووجه المشابهة كونها لا يهتدى فيها لحقّ كما لا يهتدى في ظلمة الليل لما يراد ، وبالبحر الملتطم في عظمها وخلطها للخلق بعضهم ببعض وانقلاب قوم على قوم بالمحقّ لهم والهلاك كما يلتطم بعض أمواج البحر ببعض ، ثمّ أشار إلى ما يلحق الكوفة بسبب تلك الفتنة بعدها من الوقائع والفتن ، وقد وقع فيها وفق أخباره وقائع جمّة وفتن كثيرة كفتنة الحجّاج والمختار بن أبي عبيدة وغيرهما ، واستعار لفظي القاصف والعاصف من الريح لما يمرّ بها من ذلك ويجرى على أهلها من الشدائد . وقوله : وعن قليل تلتفّ القرون بالقرون . إلى آخره . أي عن قليل يلحق قرن من الناس بقرون ، وكنّى بالتفاف بعضهم ببعض عن اجتماعهم في بطن الأرض ، واستعار لهم لفظ الحصد والحطم لمشابهتهم الزرع يحصد قائمة ويحطم محصودة فكنّى بحصدهم عن موتهم أو قتلهم ، وبحطم محصودهم عن فنائهم وتفرّق أوصالهم في التراب . وأعلم أنّه ليس في اللفظ دلالة واضحة على أنّ المراد بالضليل المذكور معاوية بل يحتمل أن يريد به شخصا آخر يظهر فيما بعد بالشام كما قيل : إنّه السفيانيّ الدجّال وإن كان الاحتمال الأوّل أغلب على الظنّ . وباللَّه التوفيق .