ابن ميثم البحراني
117
شرح نهج البلاغة
إليها كما تشبه الشوكة الشوكة وتميل إليها فربّما انكسرت معها في العضو واحتاجت إلى منقاش آخر . ثمّ رجع إلى الشكاية إلى اللَّه ، وأراد بالداء الدويّ ما هم عليه من الاعتياد المخالفة لأمره وتثاقلهم عن صوته ، وبالأطبّاء نفسه . فإنّ داء الجهل وما يستلزمه أعظم من سائر الأدواء المحسوسة ، وفضل أطبّاء النفوس على أطبّاء الأبدان بقدر شرف النفوس على الأبدان ، وهى استعارة تكاد أن تكون حقيقة ، وكذلك استعارة لفظ النزعة له مثل ضربه لنفسه معهم فكأنّهم عن المصلحة في قعر بئر عميق قد كلّ هو من جذبهم إليها . ثمّ أخذ في السؤال عن إخوانه من أكابر الصحابة الَّذين بذلوا جهدهم في نصرة الدين وأعرضوا عن الدنيا استفهاما على سبيل التوبيخ لفقدهم ، وهذا كما يقول أحدنا إذا وقع في شدّة أين أخي عنّى ثمّ وصفهم بالأوصاف الحميدة ترغيبا للسامعين في مثل حالهم وإزراءً عليهم حيث لم يكونوا بهذه الأوصاف ، وذلك بطريق المفهوم . وقوله : أولادها . نصب بإسقاط الجارّ . إذ الفعل وهو قوله : ولهوا . غير متعدّى إلى مفعولين بنفسه ، وفي الخبر : لا توله والدة بولدها . وتولَّههم لها بركوبهم إيّاها عند خروجهم للجهاد . وقوله : وأخذوا بأطراف الأرض . أي أخذوها بأطرافها ، وزحفا زحفا وصفّا صفّا : مصدران مؤكَّدان بمثليهما قاما مقام الحال . وقوله : لا يبشّرون بالأحياء ولا يعزّون عن القتلى [ الموتى خ ] . أي كانوا في تلك الحال غير ملتفتين إلى حيّهم ولا مراعين ولا محافظين على حياته حتّى يبشّرون ببقائه أو يجزعون لموته فيعزّون عليه بل مجرّدون للجهاد في سبيل اللَّه ، ولعلَّهم يفرحون بقتل من يقتلونه في سبيله وإن كان ولدا لوالده أو بالعكس ، وإنّما كان السهر موجبا لصفرة اللون لأنّه يهيّج الحرارة ويفسد السحنة وينجف البدن ويكثر فيه المرّة ، والصفرة من توابع ذلك لا سيّما في الأبدان النحيفة كما عليه أهل المدينة ومكَّة والحجاز . وغبرة الخاشعين قشف الزاهدين الخائفين