ابن ميثم البحراني
98
شرح نهج البلاغة
أقول : يحتمل أن يكون هذا الكلام فصلين : أحدهما : قوله : وإنّما سمّيت الشبهة . إلى قوله : ودليلهم العمى ، والثاني : والباقي . فالفصل الأوّل إشارة إلى علَّة تسمية الشبهة شبهة ، ثمّ إلى بيان حال الناس فيها . أمّا الأوّل : فالشبهة عبارة عمّا يشبه الحقّ ممّا يحتجّ به إمّا في صورته أو في مادّته أو فيهما معا ، وظاهر أنّ علَّة تسميتها شبهة هو ذلك الشبه . فلذلك حصرها فيه . وأمّا الثاني : فلأنّ الناس إمّا أولياء اللَّه أو أعداء له . أمّا أولياؤه فلمّا كانت نفوسهم مشرقة بنور اليقين مستضيئة بمصباح النبوّة في سلوك الصراط المستقيم كان بتلك الأنوار هدى أذهانهم في ظلمات الشبهات وحرزهم عن الهوى في مهاوي الجهالات كما قال تعالى « يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ » ( 1 ) الآية . وهو الهدى المأمور بلزوم سمته والسلوك إلى المطالب الحقّة ، وهو المراد بقوله : فضياؤهم فيها اليقين ، ودليلهم سمت الهدى ، وأمّا أعداؤه فليس دعاؤهم إلى ما يدعون إليه إلَّا ضلالا عن القصد القويم ، وإضلالا للخلق عن الطريق الحقّ وليس ما يعتمدونه دليلا يزعمون أنّهم يهدون به السبيل إلَّا شبهة هي في نفسها عمى لأبصارهم [ لبصائرهم خ ] عن مطالعة نور الحقّ وطمس لأذهان من استجاب لهم عند اهتداء سلوك سبيل اللَّه « وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ . وأمّا الفصل الثاني : وهو قوله : فما ينجو . إلى آخره . فصدق القضيّة الأولى قوله تعالى « قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ » ( 2 ) وقوله « أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ » ( 3 ) الآية . وحاصله التذكير بها دم اللذّات ، والتخويف بذكره ، والتنفير عن محبّة ما لا بدّ من زواله ليفرغ السامعون إلى العمل لما بعده إن أخذ التوفيق بأزمّة عقولهم فإنّ خوفه ومحبّة ضدّه وهو البقاء لا ينفعان في الخلاص منه لكونه ضروريّا في الطبيعة ، ويحتمل أن يكون الكلام متصّلا ويكون الفصل الثاني قد سبق له قبل الأوّل كلام يحسن تعلَّقه به ، وباللَّه التوفيق .
--> ( 1 ) 57 - 12 ( 2 ) 63 - 8 ( 3 ) 4 - 80