ابن ميثم البحراني
94
شرح نهج البلاغة
والأحكام المشكلة والمقاول الَّتي حصرت فيها بلغاؤهم ، فكنّى بنطقه وتعتعتهم عن فضاحتهم وعيّهم . وقوله تطلَّعت حين تقبّعوا . إشارة إلى كبر الهمّة في تحصيل ما ينبغي للإنسان أن يحصّله من تعرّف الأمور واختبارها والنظر في مصادرها ومواردها ، وهي ملكة تحت الشجاعة ، ولمّا كان التطَّلع على الأمر يحتاج الإنسان فيه إلى نحو من التطاول ومدّ العنق وتحديق العين ونحوه ، وكان تعرّف الأمور واختبارها لابدّ فيه من بعث رائد الفكر الَّذي هو عين النفس الَّتي بها يبصر وتحديقه نحو الأمور المعقولة وإرسال المتخيّلة لتفتيش خزائن المحسوسات أشبه ذلك التطلَّع فاستعار له لفظ التطلَّع وكنّى به عنه ، وقوله : حين تقبّعوا . أي كان تعرّفي للأمور حين قصورهم عن ذلك ، ولمّا كان التقبّع يقابل مدّ العين والتطاول إلى رؤية الأشياء المسمّى تطلَّعا ، وكان قصور أفكارهم وعدم اعتبارهم للأشياء يقابل مدّ الفكر وتطاول الذهن إلى معرفة الأمور وكان قصور الفكر أيضا والعجز عن المعرفة يشبه التقبّع استعار لفظ التقبّع وكنّى به عنه . وقوله : ومضيت بنور اللَّه حين وقفوا . إشارة إلى فضيلة العلم أي كان سلوكي لسبيل الحقّ على وفق العلم وهو نور اللَّه الَّذي لا يضلّ من اهتدى به . وذلك حين وقفوا حائرين متردّدين جاهلين بالقصد وكيفيّة سلوك الطريق . وإنّما أثبت لنفسه هذه الفضائل وقرن كلّ فضيلة له برذيلة فيهم يقابلها لتبيّن فضله بالنسبة إليهم إذ كان الغرض ذلك . وقوله : وكنت أخفضهم صوتا وأعلاهم صوتا . كنّى بخفض الصوت عن ربط الجأش في الأمور والثبات فيها والتصميم على فعل ما ينبغي من غير التفات إلى الحوادث [ الجواذب خ ] والموانع على فعل ما هو خير ومصلحة فإنّ كثرة الأصوات وعلوّها في الأفعال الَّتي هي مظنّة الخوف دليل الفشل ، ولا شكّ أنّ من كان أشدّ في ذلك كان أعلى صوتا وأشدّ سبقا إلى مراتب الكمال ودرجات السعادة ممّن كان أضعف فيه .