ابن ميثم البحراني

95

شرح نهج البلاغة

وقوله : فطرت بعنانها واستبددت برهانها . الضميران يعودان إلى الفضيلة وإن لم يجر لها ذكر لفظيّ فاستعار هاهنا لفظ الطيران للسبق العقليّ لما يشتركان فيه من معنى السرعة ، واستعار لفظي العنان والرهان اللذين هما من متعلَّقات الخيل للفضيلة الَّتي استكملتها نفسه تشبيها لها مع فضائل نفوسهم بخيل الحلبة ، ووجه المشابهة أنّ الصحابة - رضى اللَّه عنهم - لمّا كانوا يقتنون الفضائل ويستبقون بها إلى رضوان اللَّه وسعادات الآخرة كانت فضائلهم الَّتي عليها يستبقون كخيل الرهان ، ولمّا كانت فضيلته عليه السّلام أكمل فضايلهم وأتمّها كانت بالنسبة إلى فضائلهم كالفرس الَّذي لا يشقّ غباره . فحسن منه أن يستعير لسبقه بها لفظ الطيران ، ويجرى عليها لفظ العنان والرهان . الفصل الثاني : قوله : لا تحرّكه القواصف . إلى قوله : آخذ الحقّ منه . وهذا الفصل يحكى فيه قيامه بأعباء الخلافة حين انتهائها إليه وجريه فيها على القانون العدل والأوامر الإلهيّة . فقوله : كالجبل . تشبيه له في الثبات على الحقّ بالجبل فكما لا تحرّكها قواصف الرياح وعواصفها كذلك هو لا تحرّكه عن سواء السبيل مراعاة هوى لأحد أو اتّباع طبع يخالف ما يقتضيه سنّة اللَّه وشرعه بل هو ثابت على القانون العدل وموافقة الأمر الإلهيّ . وقوله : لم يكن لأحد فيّ مهمز ولا لقائل فيّ مغمز . أي لم يكن فيّ عيب أعاب به . وقد راعى في هذه القرائن الأربع مع الأربع الأخيرة من الفصل الأوّل السجع المتوازي . وقوله : الذليل عندي عزيز حتّى آخذ الحقّ له . إعزازه للذليل اعتناؤه بحاله واهتمامه بأمر ظلامته ، ومن اعتنى بحال إنسان فقد أعزّه ثمّ جعل لإعزازه غاية هي أخذ الحقّ له ، وكذلك قوله : والقوىّ عندي ضعيف حتّى آخذ الحقّ منه ، فإنّ ضعف القوى هو قهره تحت حكمه إلى غاية يستوفى منه حقّ المظلوم . فإن قلت : يفهم من هاتين الغايتين أنّ نظره إلى الذليل بعد استيفاء حقّه وإلى