ابن ميثم البحراني
65
شرح نهج البلاغة
الأزمنة ويثبتون تقصيرا عمّا تقدّمه وليس يوفون الزمان الماضي والمقيم حقّيهما من التأمّل . وذلك أنّهم يقيسون الأحداث في الزمان المقيم إلى من تناهت سنّه وتجاريبه في الزمان الماضي ، وينظرون إلى قصور المروّات في الزمان المقيم واتّساعها في الماضي من غير أن ينظروا إلى الأغراض في الزمانين وما يوجبه كلّ واحد منهما . وإذا تتّبع هذا بعدل واستقصى تصريف الزمانين من القوى والجدات ، والأمن والخوف ، والأسباب والأحوال كانا متقاربين . إذا عرفت هذا فتقول : قوله عليه السّلام إنّا قد أصبحنا . إلى قوله : حتّى تحلّ بنا . ذمّ للزمان بوصفي الجور والشدّة لمّا أعدله ممّا عدّد فيه من الأوصاف المعدودة شرّا بالقياس إلى نظام العالم وبقائه . وذكر من تلك الأوصاف خمسة : أوّلها : أنّه يعدّ فيه المحسن مسيئا . وذلك من حساب المسيئين الكسالى عن القيام بطاعة اللَّه فيعدّون إنفاق المحسن لما له رياء وسمعة أو خوفا أو رغبه في مجازاة ، وكذلك ساير فضايله رذايل . كلّ ذلك طعنا في فضيلته وحسدا أن ينال رتبة أعلى . فيلحقونه بدرجاتهم في الإساءة . وثانيها : أنّه يزداد الظالم فيه عتوّا . وذلك أنّ منشأ الظلم هو النفس الأمّارة بالسوء وهي في زمان العدل تكون مقهورة دائما أو في أكثر الأحوال . وثورانها في ذلك الوقت طالبة للظلم يكون فلتة وانتهاز فرصة . فالظالم في زمان العدل إن ظلم أو تجاوز حدّه فكالسارق الَّذي لا يأمن في كلّ لحظة أن يقع به المكروه فكذلك الظالم في زمن العدل مقموع بحرسة الشريعة مرصود بعيون طلايعها . أمّا في زمان ضعف الشريعة فالظالم فيه كالناهب معط لقوّته سؤلها ، غير ملتفت إلى وازع الدين فلا جرم كان عتوّه فيه أزيد . وقد كان في زمانه بالنسبة إلى عهد الرسول صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم كذلك . وثالثها : أنّه لا ينتفع أهله فيه بما علموا . وهو توبيخ للمقصّرين في أعمال الآخرة على وفق ما علموا من الشريعة ممّا ينبغي أن يعمل لها إذ الانتفاع بالعلم إنّما يكون إذا وافقه العمل ، وإليه الإشارة بقوله عليه السّلام في موضع آخر : العلم مقرون بالعمل ، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلَّا ارتحل . فإنّ المراد بارتحال العلم