ابن ميثم البحراني

61

شرح نهج البلاغة

يكون المفعول الثاني لعدا محذوفا يدلّ عليه الكلام أي ما عداك . يريد ما شغلك وما منعك عمّا كان بدا لك من نصرتي . قال ابن أبي الحديد : ليس في الوجه الثاني ممّا ذكره القطب زيادة على الوجه الأوّل إلَّا زيادة فاسدة ، أمّا أنّه لا زيادة . فلأنّه فسّر عدا في الوجهين بمعنى منع ، وفسّر قوله ممّا كان بدا منك في الوجهين أيضا بتفسير واحد . فلم يبق بينهما تفاوت ، وأمّا الزيادة الفاسدة فظنّه أنّ عدا يتعدّى إلى مفعولين وهو باطل باجماع النحاة . وأقول : الوجه الَّذي ذكره ابن أبي الحديد هو الوجه الأوّل من الوجهين اللذين ذكرهما الراوندي لأنّ الصرف والمنع لا كثير تفاوت بينهما وإن كان قد يفهم أنّ المنع أعمّ . وأمّا اعتراضه عليه بأنّه لا فرق بين الوجهين اللَّذين ذكرهما فهو سهو . لأنّ معنى بدا في الوجه الأوّل ما ظهر للناس منك من البيعة لي . ومراده به في الثاني ما ظهر لك في الرأي من نصرتي وطاعتي . وفرق بين ما يظهر . من الإنسان لغيره ، وبين ما يظهر له من نفسه أو من غيره ، وأمّا ما ذكره من أنّه زيادة فاسدة فالأظهر أنّ لفظة الثاني في قوله المفعول الثاني زيادة من قلمه أو قلم الناسخ سهوا ، ويؤيّده إظهاره للمفعول الأوّل تفسيرا لقوله ويكون المفعول لعدا محذوفا . ثمّ أقول : وهذه الوجوه وإن احتملت أن يكون تفسيرا إلَّا أنّ في كلّ واحد عدولا عن الظاهر من وجه : أمّا الوجه الَّذي ذكره المدائني فلأنّه لمّا حمل عدا على حقيقتها وهى المجاوزة ، وحمل ما بدا على الطاعة السابقة . احتاج أن يجعل من بمعنى عن . وهو خلاف الظاهر . وأمّا الراوندي فإنّه فسّر عدا بمعنى منع أو عاق وشغل ، وحمل ما بدا على الطاعة السابقة أو على البيعة . ولا يتمّ ذلك إلَّا أن يكون من بمعنى عن . والحقّ أن يقال : إنّ عدا بمعنى جاوز . ومن لبيان الجنس . والمراد ما الَّذي جاوز بك عن بيعتي ممّا بدا لك بعدها من الأمور الَّتي ظهرت لك . وحينئذ يبقى الألفاظ على أوضاعها الأصليّة مع استقامة المعنى وحسنه . وروي عن الصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام عن أبيه عن جدّه قال : سألت ابن عباس - رضوان اللَّه عليه - عن تلك الرسالة فقال : بعثني فأتيت الزبير فقلت له . فقال : إنّي أريد ما يريد . كأنّه يقول : الملك . ولم يزدني على