ابن ميثم البحراني

56

شرح نهج البلاغة

قوام حياتهم سواء كان ما نسبوه إليه حقّا أم لا أن يكون قد غلب على ظنّه أنّه لو قام في نصرته لقتل معه ولا يجوز للإنسان أن يعرض نفسه للأذى والقتل في دفع بعض المنكرات الجزئيّة . وأمّا إن ثبت أنّه أنكر عليهم كما نقلنا حملنا ذلك النهى على نهيه لهم حال اجتماعهم لقتله قبل حال قتله ، وقوله : ولو نهيت عنه لكنت ناصرا . على عدم المنع من قتله حال قتله لعدم تمكَّنه من ذلك وعدم إفادة قوله . قال بعض الشارحين : هذا الكلام بظاهره يقتضى أنّه ما أمر بقتله ولا نهى عنه . فيكون دمه عنده في حكم الأمور المباحة الَّتي لا يؤمر بها ولا ينهى عنها . قلت : هذا سهو لأنّ التبرّء من الأمر بالشئ والنهى عنه غاية ما يفهم منه عدم الدخول فيه والسكوت عنه ولا يلزم من ذلك الحكم بأنّه من الأمور المباحة لاحتمال أنّ اعتزاله هذا الأمر كان لأحد ما ذكرناه . وبالجملة فإنّ أهل التحقيق متّفقون على أنّ السكوت على الأمر لا يدلّ على حال الساكت بمجرّده وإن دلّ بقرينة أخرى . وممّا يدلّ على أنّه كان متبرّئا من الدخول في دم عثمان بأمر أو نهى ما نقل عنه لمّا سئل : أساءك قتل عثمان أم سرّك فقال : ما سائني ولا سرّني . وقيل : أرضيت بقتله فقال : لم أرض . فقيل : أسخطت قتله . فقال : لم أسخط . وهذا كلَّه كلام حقّ يستلزم عدم التعرّض بأمره فإنّ من أعرض عن شيء ولم يدخل فيه يصدق أن يقول : إنّي لم أسخط به ولم أرض ولم أسأ به ولم أسرّ ، فإنّ السخط والرضا والإساءة والسرور حالات تتوارد على النفس بأسباب تتعلَّق بها فخالع تلك الأسباب عن نفسه في أمر من الأمور كيف يعرض له أحد هذه الحالات فيه . فإن قلت : إن كان قتل عثمان منكرا كان مستلزما لسخطه عليه السّلام ومساءته منه وقد نقل عنه أنّه لم يسخط له وذلك يقتضى أحد الأمرين : أحدهما أنّه عليه السّلام لا يسخط للمنكر وهو باطل بالاتّفاق ، والثاني أن قتل عثمان لم يكن عنده منكرا ، والتقدير أنّه منكر . قلت : إنّ قتل عثمان يستلزم سخطة لكن لا من حيث إنّه قتل عثمان بل من جهة كونه منكرا ، والمنقول أنّه لم يسخط لقتل عثمان ولا سائه ذلك أي من جهة كونه قتل عثمان وذلك لا ينافي أن يسوئه ويسخطه من جهة كونه منكرا . وفي الجواب