ابن ميثم البحراني
5
شرح نهج البلاغة
مشاركة المعنيين المذكورين للسماء والأرض في معنيي العلوّ والاستفال كلّ بالنسبة إلى الآخر ، وإنّما لم تكن الحقيقة مرادة لأنّ الأمر النازل ليس له جهة هي مبدء نزوله وإلَّا لكان الأمر في جهته - تعالى اللَّه عن ذلك - ويحتمل أن يراد حقيقة السماء والأرض على معنى أنّ الحركات الفلكيّة لمّا كانت شرائط معدّة يصدر بواسطتها ما يحدث في الأرض كانت السماء مبادئ على بعض الوجوه لنزول الأمر . فأمّا تشبيهه بقطر المطر فوجه التشبيه أنّ حصول الرزق والأهل ونحوهما لكلّ نفس وقسمها منها مختلف بالزيادة والنقصان كما أنّ قطر المطر بالقياس إلى كلّ واحدة من البقاع كذلك . وهو تشبيه للمعقول بالمحسوس . وقوله : فإذا رأى أحدكم لأخيه المسلم غفيرة في أهل أو مال أو نفس فلا تكوننّ له فتنة . شروع في تأديب من حصل في حقّه النقصان في أحد الأمور المذكورة بالنهى لهم عن الافتتان بحال من حصلت له الزيادة والنفاسة في أحدها : من المال أو الأهل أو النفس . قال بعض الشارحين : إنّه أراد بالنهى عن الفتنة هاهنا النهى عن الحسد . والتحقيق أن يقال : إنّ الفتنة هي الضلال عن الحقّ بمحبّة أمر ما من الأمور الباطلة ، والاشتغال به عمّا هو الواجب من سلوك سبيل الله . ولمّا كان حال الفقراء من أحد الأمور المذكورة بالنسبة إلى من عرضت له الزيادة في أحدها ، فمنهم من يؤهّل نفسه لتلك الزيادة فيرى أنّه أحقّ بها ممّن عرضت له فيعرض له أن يحسده ، أو يرى أنّه يستحقّ مثلها فيعرض له أن يغبطه ، ومنهم من يقصّر نفسه عن ذلك لكن يميل بطبعه إلى خدمة من له تلك الزيادة ، وينجذب بكلَّيته إلى موالاتهم ككثير من الفقراء الَّذين يميلون بطباعهم إلى خدمة الأغنياء ، ويخلصون السعي لهم ليس لأمر سوى ما حصلوا عليه من مال أو جاه أو نحو ذلك . ولعلّ تلك الغاية يشوبها توهّم الانتفاع بهم ممّا حصلوا عليه . ولمّا كانت هذه الأمور ونحوها أعلى الحسد والغبطة ، والميل إليهم لأجل ما حصلوا عليه من الزيادة في أحد الأمور المذكورة رذائل أخلاق مشغلة عن التوجّه إلى الله تعالى ومقبلة عن سواء السبيل كان المنهىّ عنه في الحقيقة هو الضلال بأحد الرذائل المذكورة وهو المراد بلفظ الفتنة هاهنا . وقوله : فإنّ المرء المسلم . إلى قوله : ومعه دينه وحسبه . أقول : إعراب هذا الفصل أنّ ما هاهنا بمعنى المدّة . وكالفالج خبر أنّو تظهر صفة