ابن ميثم البحراني
49
شرح نهج البلاغة
فلا شكّ أنّه عبارة من حركات وسكنات تستلزم هيئات مخصوصة إنّما تحصل بواسطة هذا البدن وكلّ ذلك من الدنيا في الدنيا ، وأمّا العلم فلأنّ الاستكمال به إنّما يحصل بواسطة هذا البدن أيضا إمّا بواسطة الحواسّ الظاهرة والباطنة ، أو بتفطَّن النفس لمشاركات بين المحسوسات ومباينات بينها وظاهر أنّ ذلك من الدنيا في الدنيا وأشار بقوله : ما تحرزون أنفسكم به غدا . أنّ كلّ زاد عدّ به الإنسان نفسه للوصول إلى جوا اللَّه فقد تدرع به من غدا به وحفظ به نفسه يوم لا ينفع مال ولا بنون . وقد اشتمل هذا الفصل على استدراجات لطيفة لانفعالات عن أوامر للَّه وزواجره ، وإذا تأمّلت أسلوب كلامه عليه السّلام ، وراعيت ما فيه : من فخامة الألفاظ ، وجزالة المعاني المطابقة للبراهين العقليّة ، وحسن الاستعارات والتشبيهات ومواقعها ، وصحّة ترتيب أجزائه . ووضع كلّ مع ما يناسبه . وجدته لا يصدر إلَّا عن علم لدنىّ وفيض ربّانيّ . وأمكنك حينئذ الفرق بين كلامه عليه السّلام وكلام غيره والتمييز بينهما بسهولة . وباللَّه العصمة والتوفيق . 28 - ومن خطبة له عليه السّلام أَيُّهَا النَّاسُ الْمُجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهُمْ - الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ - كَلَامُكُمْ يُوهِي الصُّمَّ الصِّلَابَ - وفِعْلُكُمْ يُطْمِعُ فِيكُمُ الأَعْدَاءَ - تَقُولُونَ فِي الْمَجَالِسِ كَيْتَ وكَيْتَ - فَإِذَا جَاءَ الْقِتَالُ قُلْتُمْ حِيدِي حَيَادِ - مَا عَزَّتْ دَعْوَةُ مَنْ دَعَاكُمْ - ولَا اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ - أَعَالِيلُ بِأَضَالِيلَ دِفَاعَ ذِي الدَّيْنِ الْمَطُولِ - لَا يَمْنَعُ الضَّيْمَ الذَّلِيلُ - ولَا يُدْرَكُ الْحَقُّ إِلَّا بِالْجِدِّ - أَيَّ دَارٍ بَعْدَ دَارِكُمْ تَمْنَعُونَ - ومَعَ أَيِّ إِمَامٍ بَعْدِي تُقَاتِلُونَ - الْمَغْرُورُ واللَّهِ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ - ومَنْ فَازَ بِكُمْ فَقَدْ فَازَ واللَّهِ بِالسَّهْمِ الأَخْيَبِ - ومَنْ رَمَى بِكُمْ فَقَدْ رَمَى بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ -