ابن ميثم البحراني

50

شرح نهج البلاغة

أَصْبَحْتُ واللَّهِ لَا أُصَدِّقُ قَوْلَكُمْ - ولَا أَطْمَعُ فِي نَصْرِكُمْ - ولَا أُوعِدُ الْعَدُوَّ بِكُمْ - مَا بَالُكُمْ مَا دَوَاؤُكُمْ مَا طِبُّكُمْ - الْقَوْمُ رِجَالٌ أَمْثَالُكُمْ - أَقَوْلًا بِغَيْرِ عِلْمٍ - وغَفْلةً مِنْ غَيْرِ وَرَعٍ - وطَمَعاً فِي غَيْرِ حَقٍّ ؟ ! أقول : روى أنّ السبب في هذه الخطبة هو غارة الضحّاك بن قيس بعد قصّة الحكمين وعزمه على المسير إلى الشام . وذلك أنّ معاوية لمّا سمع باختلاف الناس على عليّ عليه السّلام ، وتفرّقهم عنه ، وقتله من قتل من الخوارج بعث الضحّاك بن قيس في نحو من أربعة آلاف فارس وأوعز عليه بالنهب والغارة . فأقبل الضحّاك يقتل وينهب حتّى مرّ بالثعلبيّة . فأغار على الحاجّ فأخذ أمتعتهم . وقتل عمرو بن عميس بن مسعود ابن أخي عبد اللَّه بن مسعود صاحب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم وقتل معه ناسا من أصحابه . فلمّا بلغ عليّا عليه السّلام ذلك استصرخ أصحابه على أطراف أعماله واستشارهم إلى لقاء العدوّ فتلكَّؤوا . ورأى منهم تعاجزا وفشلا . فخطبهم هذه الخطبة . ولنرجع إلى المتن . فالأهواء : الآراء ، والوهي : الضعف ، وكيت وكيت : كناية عن الحديث . وحاد عن الأمر : عدل عنه . قال الجوهري : قولهم حيدي حياد كقولهم : فيحي فياح ، ونقل أنّ فياح اسم للغارة كقطام . فحياد أيضا اسم لها . والمعنيّ : اعزلي عنّا [ عنها خ ] أيّتها الحرب ، ويحتمل أن يكون حياد من أسماء الأفعال كنزال . فيكون قد أمر بالتنحّي مرّتين بلفظين مختلفين . وأعاليل وأضاليل : جمع أعلال وأضلال وهما جمع علَّة : اسم لما يتعلَّل به من مرض وغيره ، وضلَّة : اسم من الضلال بمعنى الباطل ، والمطول : كثير المطال وهو تطويل الوعد وتسويفه ، والجدّ : الاجتهاد ، والأخيب : أشدّ خيبة وهي الحرمان ، لأفوق : السهم المكسور الفوق وهو موضع الوتر منه ، والناصل : الَّذي لا نصل فيه . والمقصود أنّه عليه السّلام نبّههم على ما يستقبح في الدين ، ومراعاة حسن السيرة من أحوالهم وأقوالهم وأفعالهم : أمّا أحوالهم فاجتماع أبدانهم مع تفرّق آرائهم الموجب لتخاذلهم عن الذبّ عن الدين والمفرّق لشمل مصالحهم . وأمّا أقوالهم فكلامهم الَّذي يضعف عند