ابن ميثم البحراني

41

شرح نهج البلاغة

النار » بل قال « والغاية النار » ، لأن الغاية ينتهى إليها من لا يسره الانتهاء ومن يسره ذلك ، فصلح أن يعبر بها عن الأمرين معا ، فهي في هذا الموضع كالمصير والمآل ، قال اللَّه تعالى : « ( وجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ ) » ولا يجوز في هذا الموضع أن يقال : سبقتكم - بسكون الباء - إلى النار ، فتأمل ذلك فباطنه عجيب وغوره بعيد . وكذلك أكثر كلامه عليه السّلام ، وفى بعض النسخ ، وقد جاء في رواية أخرى « والسبقة الجنة » - بضم السين - والسبقة عندهم : اسم لما يجعل للسابق إذا سبق من مال أو عرض ، والمعنيان متقاربان لأن ذلك لا يكون جزاء على فعل الأمر المذموم ، وإنما يكون جزاء على فعل الأمر المحمود . أقول : هذا الفصل من الخطبة الَّتي في أوّلها الحمد للَّه غير مقنوط من رحمته . وسيجئ بعد ، وإنّما قدّمه الرضيّ عليها لما سبق من اعتذاره في خطبة الكتاب أنّه لا يراعى التتالي والنسق في كلامه عليه السّلام . وقوله : قد أدبرت أي ولىّ دبره . وآذنت أي أعلمت . وأشرفت أي أطَّلعت ، والمضمار : المدّة الَّتي يضمر فيها الخيل للمسابقة أي تعلف حتّى تسمن ثمّ تردّ إلى القوت والمدّة أربعون يوما ، وقد يطلق على الموضع الَّذي يضمر فيه أيضا . والسباق : مصدر مرادف للمسابقة وهو أيضا جمع سبقة كنظفة ونظاف ، أو سبقة كحجلة وحجال ، أو سبق كجمل وجمال . والثلاثة اسم لما يجعل للسابق من مال أو غرض ، والمنيّة : الموت ، والبؤس : شدّة الحاجة ، وتحرزون : تحفظون . واعلم أنّ هذا الفصل يشتمل على أحد عشر تنبيها : الأوّل : على وجوب النفار عن الدنيا وعدم الركون إليها . وذلك بقوله : ألا وإنّ الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع . وأشار بإدبار الدنيا وإعلامها بالوداع إلى تقضّى الأحوال الحاضرة بالنسبة إلى كلّ شخص من الناس من صحّة وشباب وجاه ومال وكلّ ما يكون سببا لصلاح حال الإنسان ، وأنّ كلّ ذلك في هذا الحياة الدنيا لدنوّها